تم النشر بتاريخ 6 نوفمبر, 2026
تقرير: معين الصبيحي
تحولت مناطق المضاربة السفلى والعليا والكعللة والأغبرة والرويس واملبيه إلى مناطق شبه خالية من السكان، إثر موجة نزوح جماعي بدأت ليلة الثلاثاء قبل الماضي، قبل حوالي عشرين يوم عقب صدور توجيهات من القيادة للسكان بمغادرة مناطقهم، تحت مبرر استدراج ميليشيا الحوثي وتحويل تلك المناطق إلى ساحة مواجهة عسكرية بين القوات الجنوبية والميليشيا الحوثية.
وتقع هذه المناطق على خط التماس الشطري، غرب مدينة الحوطة، مركز محافظة لحج، على بُعد يزيد على 100 كيلومتر، وتمتد عبر سلسلة جبلية متصلة وصولًا إلى أطراف محافظة تعز، وتحديدًا مناطق الوازعية والزريقة وراسن والخبل. ويقطن هذه المناطق أكثر من أربعة آلاف نسمة، وفقًا لآخر تعداد سكاني.
نزوح بلا ترتيبات.. مسنون ومكفوفون ونساء حوامل في العراء
لم تراعِ توجيهات النزوح الظروف المعيشية والاقتصادية الصعبة للسكان، إذ اضطر مسنون طاعنون في السن، ومكفوفون، ونساء حوامل في أشهرهن الأخيرة، وأمهات يحملن أطفالًا رضعًا، بل وحتى عرسان في الأيام الأولى من شهر العسل، إلى مغادرة منازلهم على عجل، فيما عجز بعضهم عن توفير أجرة المواصلات من المضاربة إلى عدن ولحج والرجاع.
وشوهد العديد من الأهالي يسيرون على الطريق العام الرابط بين المضاربة وعدن ولحج، في انتظار سيارات المقاومة لنقلهم إلى مناطق أكثر أمنًا، ليجدوا أنفسهم في العراء، بلا مأوى أو غذاء أو فراش أو دواء، وسط غياب أي ترتيبات رسمية أو إنسانية لاستقبالهم وإيوائهم.
ويعاني معظم النازحين من انعدام مصادر الدخل، إذ يعتمدون أساسًا على الزراعة ورعي الأغنام لتأمين قوت يومهم. وقد أجبرتهم محنة النزوح على ترك مواشيهم وأثاث منازلهم وألواح الطاقة الشمسية والبطاريات، والفرار بأرواحهم خوفًا من تقدم ميليشيا الحوثي والقصف بقذائف الهاون والمدفعية والصواريخ.
ويروي أحد أبناء منطقة الأغبرة أنه اضطر إلى ترك مواشيه وأبقاره لدى زميل له يعمل في السلك العسكري بالمضاربة، غير أن الأخير اتصل به ليلة الثلاثاء ليبلغه بأنه يستعد للنزوح هو الآخر، فما كان منه إلا أن قال بحسرة: «سيب لها، حيث ما تروح تروح».
مقاتلون بأسلحتهم الشخصية.. اتهامات بالخذلان وغياب الإمداد
وفي شهادة تعكس حجم المعاناة التي يعيشها المقاتلون في جبهات المضاربة، يقول المواطن المقاتل مبدار عبد السلام علي عبد الله راجح العلقمي:«منذ شهر ونصف ونحن، أبناء القبائل، نقاوم بأسلحتنا الشخصية وذخيرتنا المحدودة حشود ميليشيا الحوثي المزودة بأفتك الأسلحة، دون أن تصل إلينا أي تعزيزات أو إمدادات حقيقية. وحتى القوات التي وصلت لم تتقدم معنا إلى المتارس، وعندما طلبنا منها المشاركة في القتال، كان الرد: ليست لدينا أوامر. فالقيادة غائبة، ولا يوجد أي تنظيم عملياتي في الجبهات».
مضيفا:«نتيجة لذلك، سقطت بعض مواقعنا، وحلّت بنا نكبة النزوح، وأصبحنا مهانين بعد أن قدمنا تضحيات عظيمة، وسقط من أهلنا مئات الشهداء والجرحى».
الحاج محمد أحمد علي مفلق: أُجبرنا على النزوح وتُركنا في العراء
من جانبه، قال الحاج محمد أحمد علي مفلق، أحد أبناء قرية عشة حمادي بمنطقة المضاربة السفلى:«أُجبرنا على النزوح وترك منازلنا ومصالحنا، وأصبحنا في العراء بلا سكن ولا غذاء ولا فراش ولا دواء، ولم تتدخل أي جهة لترتيب أوضاعنا حتى هذه اللحظة».
وأضاف:«تنتشر شائعات كثيرة عن وجود منظمات في صبر بمحافظة لحج ورأس عمران، تقوم بتسجيل نازحي الصبيحة وصرف مساعدات مالية بقيمة 300 دولار وسلال غذائية، لكن هذا الكلام لا أساس له من الصحة على أرض الواقع».
ووجّه مفلق مناشدة عاجلة إلى الجهات المعنية في البلاد، والمنظمات الإنسانية والحقوقية المحلية والدولية العاملة في اليمن، وفاعلي الخير من أبناء الجنوب، داعيًا إياهم إلى سرعة التدخل لإنقاذ نازحي الصبيحة، وتوفير الاحتياجات الأساسية للأسر التي اضطرت إلى مغادرة منازلها.
أربع أسر في غرفتين.. والرجاع تطلق نداء استغاثة
دفع القصف الحوثي آلاف الأسر إلى النزوح باتجاه عدن ولحج، حيث لجأ كثير منها إلى منازل أقاربهم، وهي منازل شعبية ضيقة لا تتجاوز في الغالب غرفتين أو ثلاث غرف، لتتكدس فيها ثلاث أو أربع أسر، فيما وصل عدد الأسر المقيمة في أحد المنازل إلى إحدى عشرة أسرة، في مشهد يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي خلّفها النزوح.
وفي منطقة الرجاع بمديرية طور الباحة، وصلت أكثر من 60 أسرة نازحة تعيش أوضاعًا إنسانية بالغة الصعوبة، وسط نقص حاد في مستلزمات الإيواء والغذاء والدواء.
وناشد الناشط المجتمعي جمال دفان الرجاعي السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية وفاعلي الخير سرعة مد يد العون للأسر المنكوبة، التي افترش بعضها الأرض في ظل غياب المأوى والاحتياجات الأساسية للحياة.
هند أحمد عثمان: أبناء الصبيحة أهل الأرض وليسوا نازحين
وفي رسالة تضامن مع الأسر التي اضطرت إلى مغادرة مناطقها، وجّهت الإعلامية هند أحمد عثمان نداءً إلى أبناء الصبيحة، أكدت فيه أن معاناتهم مسؤولية الجميع، وأنهم ليسوا غرباء عن المناطق التي لجؤوا إليها.
وقالت:«نوجّه هذا النداء إلى إخواننا في الصبيحة، ونقول لهم: أنتم لستم نازحين، بل أنتم أصحاب الأرض وأهلها، من لحج إلى عدن، ومن المهرة حتى باب المندب. أنتم منا ونحن منكم، وأرضنا واحدة ومصيرنا واحد».
وتأتي هذه المناشدات في وقت تتفاقم فيه معاناة الأسر النازحة من مناطق المضاربة، وسط مطالبات متزايدة بتدخل عاجل من السلطات والجهات الإنسانية لتوفير المأوى والغذاء والدواء، ووضع حد لمعاناة آلاف المدنيين الذين وجدوا أنفسهم فجأة بعيدًا عن منازلهم ومصادر أرزاقهم، دون ضمانات واضحة لعودتهم أو تأمين احتياجاتهم الأساسية.
مركز مسارات للإستراتيجيا و الإعلام موقع اخباري متنوع