هل يستطيع كوكب الأرض الاستغناء عن الصين؟ حين تتكلم الأرقام… تصمت الشعارات!

تم النشر بتاريخ 21 أكتوبر, 2026

بقلم: المهندس غسان جابر، الاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين العرب أصدقاء وحلفاء الصين – رئيس فرع فلسطين.

تخيّلوا أن تستيقظ البشرية غدًا، فتجد أن الصين توقفت عن الإنتاج! لا حرب اندلعت، ولا صاروخ انطلق، ولا كارثة طبيعية ضربت القارات. فقط أُغلقت المصانع الصينية، وتوقفت خطوط الإنتاج، وغابت السفن المحمّلة بالبضائع عن الموانئ.

كم يومًا يحتاج العالم حتى يشعر بالارتباك؟ وكم مصنعًا سيضطر إلى تقليص إنتاجه؟ وكم سلعة سترتفع أسعارها؟ وكم دولة ستكتشف أن امتلاك المال لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تصنيع ما تحتاج إليه؟

قد يبدو السؤال خياليًا، لكن الإجابة تكمن في واقع الاقتصاد العالمي اليوم. فالصين لم تعد مجرد دولة تنتج البضائع وتصدرها، بل أصبحت قوة صناعية يصعب تصور حركة الاقتصاد العالمي من دونها. وحتى الولايات المتحدة، بما تملكه من إمكانات مالية وتكنولوجية وصناعية هائلة، لا تستطيع التعامل مع الصين وكأنها دولة يمكن محوها من خريطة التجارة والإنتاج بقرار سياسي.

السؤال إذن ليس إن كنا نحب الصين أو نختلف معها، بل إن كنا نفهم حجم التحول الذي أحدثته في العالم.

رقم واحد يختصر حكاية ثلاثة عقود

لنترك الانطباعات جانبًا، ولنذهب إلى الأرقام.

وفق الكتاب الإحصائي الصناعي الدولي لعام 2025، الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (UNIDO)، ارتفعت حصة الصين من الإنتاج الصناعي التحويلي العالمي من 2.8% عام 1990 إلى 32% عام 2024. وفي العام نفسه، بلغت حصة الولايات المتحدة 15%، واليابان 6.3%، وألمانيا 4.6%، وكوريا الجنوبية 3.3%. أي إن الصين وحدها تجاوزت مجموع حصص هذه الاقتصادات الصناعية الأربعة، التي بلغت مجتمعة 29.2%.

تأملوا هذه المقارنة جيدًا: في غضون ثلاثة عقود وأربعة أعوام، انتقلت الصين من حصة محدودة في الصناعة العالمية إلى موقع تمثل فيه قرابة ثلث الإنتاج الصناعي التحويلي في العالم.

هذه ليست قفزة في أرقام الصادرات وحدها، ولا نتيجة بيع منتجات رخيصة فحسب، بل تعبير عن بناء منظومة صناعية متكاملة، تشمل المصانع والعمالة الماهرة والبنية التحتية والتكنولوجيا وسلاسل التوريد والأسواق.

ويشير الكتاب الإحصائي نفسه إلى أن القيمة المضافة للصناعة التحويلية العالمية نمت بنسبة 2.9% عام 2024، فيما بلغ نموها في الصين 4.9%.

هذه الأرقام هي التي ينبغي أن نتوقف عندها، لا لأن الصين لا تخطئ، ولا لأن تجربتها خالية من التحديات، بل لأن النجاح الصناعي لا يُقاس بما تقوله الدول عن نفسها، وإنما بما تنتجه، وما تطوره، وما تستطيع المنافسة به في الأسواق.

الصين ليست مصنع العالم القديم

من يعتقد أن قوة الصين تقوم على الملابس والألعاب والأجهزة المنزلية، ما زال ينظر إليها من نافذة الماضي.

انظروا إلى السيارات الكهربائية. وفق وكالة الطاقة الدولية في تقريرها «آفاق السيارات الكهربائية العالمية 2026»، أنتجت الصين نحو 16 مليون سيارة كهربائية عام 2025، أي قرابة 75% من الإنتاج العالمي، كما تجاوزت حصتها 80% من إنتاج خلايا البطاريات عالميًا.

هذه ليست مجرد أرقام في قطاع السيارات؛ إنها أرقام تمس مستقبل النقل والطاقة والتكنولوجيا. فالبطاريات تدخل في السيارات الكهربائية وتخزين الطاقة، والطاقة الشمسية تحتاج إلى منظومة صناعية متكاملة، والذكاء الاصطناعي يحتاج إلى بنية تحتية وأجهزة ومراكز بيانات وسلاسل توريد.

وهنا تظهر أهمية الصين: قدرتها على الإنتاج بكميات ضخمة، وربط الصناعات بعضها ببعض، وتطوير سلاسل التوريد، تمنحها وزنًا يتجاوز قيمة السلعة التي تبيعها.

وبالطبع، لا يعني ذلك أن الصين تستطيع إنتاج كل شيء وحدها، أو أن العالم عاجز عن بناء بدائل. فهناك دول تمتلك خبرات متقدمة في مجالات علمية وصناعية مختلفة، ويمكن تنويع مصادر الإنتاج وتقليل المخاطر. لكن إنشاء منظومات صناعية بديلة يحتاج إلى استثمارات ووقت وخبرات، وليس إلى تصريحات سياسية أو شعارات حماسية.

يمكن للعالم أن يقلل اعتماده على الصين، لكن الاستغناء السريع عنها قصة أخرى تمامًا.

ماذا يعني ذلك للوطن العربي؟

هنا يبدأ السؤال الذي يعنيني أكثر من الأرقام ذاتها.

ماذا فعلنا نحن العرب حتى نكون جزءًا من هذا التحول الصناعي العالمي؟ هل اكتفينا بمراقبة التجربة الصينية، أم بدأنا نبني قاعدة إنتاجية عربية تستفيد منها؟

لدينا ثروات طبيعية هائلة، وأسواق واسعة، ورؤوس أموال في عدد من دولنا، وجامعات وكفاءات وشباب يمتلكون الطموح والقدرة على التعلم. ومع ذلك، لا تزال دول عربية كثيرة تعتمد على استيراد طيف واسع من السلع والمعدات والتقنيات التي تحتاج إليها في حياتها اليومية ومشاريعها التنموية.

المشكلة ليست في الاستيراد بحد ذاته؛ فالتجارة الدولية ضرورة، والتعاون بين الدول مصدر للمنافع. المشكلة أن يتحول الاستيراد إلى بديل دائم عن بناء القدرة على الإنتاج، وأن نشتري التكنولوجيا من دون أن نستثمر بما يكفي في فهمها وتطويرها وصيانتها.

نشتري الآلة، لكن أين المهندس الذي يستطيع تطويرها؟ نستورد المعدات الطبية، لكن أين مراكزنا القادرة على تصنيع المزيد منها؟ نشتري أنظمة الطاقة، لكن أين برامجنا الصناعية التي تجعلنا شركاء في إنتاجها؟ نحتفل بتخريج الجامعات، ثم نترك الكفاءات تبحث عن فرص لا تجدها في أوطانها.

يا سادة، الثروة التي لا تتحول إلى معرفة وإنتاج تبقى فرصة مؤجلة، مهما كبر رقمها في الموازنات.

اقتراحي: أرسلوا الطلاب العرب إلى الجامعات الصينية… وأعيدوهم لبناء النهضة

إذا كانت الصين قد بنت هذه المكانة الصناعية خلال عقود، فإن من حقنا أن نسأل: كيف نستفيد من تجربتها بدل أن نبقى مجرد مستهلكين لمنتجاتها؟

أقترح إطلاق برنامج عربي واسع للمنح الدراسية والتدريب المتخصص في الجامعات الصينية ومراكزها البحثية ومؤسساتها الصناعية، بالشراكة بين الحكومات والجامعات والقطاع الخاص.

لا نريد برنامجًا يرسل الطلاب إلى الخارج للحصول على شهادات تُعلّق على الجدران، بل مشروعًا استراتيجيًا يختار تخصصات تحتاج إليها بلداننا فعلًا: هندسة التصنيع، والروبوتات، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والطاقة المتجددة، والبطاريات، والصناعات الدوائية، والأجهزة الطبية، والزراعة الذكية، وإدارة سلاسل الإمداد.

نريد الطالب العربي أن يرى كيف تعمل المصانع، وكيف تُدار خطوط الإنتاج، وكيف تتحول الفكرة إلى منتج، وكيف ترتبط الجامعة بالصناعة، وكيف يصبح البحث العلمي جزءًا من الاقتصاد لا نشاطًا معزولًا عنه.

ثم نريده أن يعود إلى وطنه، حاملًا علمه وخبرته، ليشارك في إنشاء مصنع أو مركز أبحاث أو شركة تكنولوجية أو مشروع إنتاجي.

لكن العودة لا تتحقق بالأمنيات وحدها. على الحكومات العربية أن توفر بيئة تستوعب هذه الكفاءات، وفرص عمل تليق بتخصصاتها، وتمويلًا للمشاريع الابتكارية، وشراكات بين الجامعات والمصانع، وحوافز تشجع الخريجين على الإنتاج والاستثمار في بلدانهم.

كما ينبغي أن تتضمن الاتفاقيات التعليمية تدريبًا عمليًا، ومشاريع تخرج مرتبطة باحتياجات الصناعة العربية، وبرامج لنقل المعرفة، ومتابعة لنتائج المنح بعد عودة الطلاب.

تخيلوا أن تتفق مجموعة من الدول العربية على إرسال آلاف الطلاب سنويًا إلى تخصصات صناعية محددة، ثم تربط عودتهم بمشاريع فعلية: تصنيع معدات طبية، وتطوير أنظمة الطاقة الشمسية، وإنشاء مصانع للبطاريات، وتوطين الصناعات الدوائية، وبناء مراكز للذكاء الاصطناعي.

عندها تتحول المنحة من فرصة فردية إلى استثمار عربي طويل الأمد، وتصبح المعرفة التي اكتسبها الطالب أساسًا لمشروع ينتج ويشغّل ويطوّر.

ولا أدعو إلى نسخ التجربة الصينية حرفيًا، فلكل بلد ظروفه واحتياجاته. أدعو إلى التعلم منها، واختيار ما يناسبنا، وبناء نموذج عربي يجعل الإنسان والمعرفة والإنتاج في قلب التنمية.

كم نشتري، وكم نتعلم؟

المشكلة أن بعضنا يتعامل مع التكنولوجيا كما يتعامل مع أي سلعة في السوق: يدفع ثمنها، يستلمها، ثم يعتقد أن القضية انتهت!

لكن التكنولوجيا ليست صندوقًا يصل إلى الميناء وينتهي دورنا عند توقيع إيصال الاستلام. إنها معرفة متراكمة، وخبرات، ومهارات، وبحث علمي، وقدرة على التطوير والتصنيع.

يا عرب، لا يكفي أن نتفاخر بحجم مشترياتنا من الصين، ولا أن نتبادل الصور مع الوفود، ولا أن نوقع اتفاقيات لا نعرف بعد سنوات ماذا أضافت إلى قدراتنا الإنتاجية.

السؤال الحقيقي بعد كل اتفاقية هو: كم فرصة عمل خلقت؟ كم مهندسًا درّبت؟ كم مصنعًا أسهمت في إنشائه؟ كم تقنية نقلت؟ وكم سلعة استطعنا إنتاجها محليًا بدل استيرادها؟

إذا لم نطرح هذه الأسئلة، فقد نتحول إلى سوق كبيرة لمنتجات الآخرين، فيما تبقى فرصنا الصناعية معلقة على قرارات لا نملكها.

نحن لا نحتاج إلى أن نشتري من الصين أكثر فحسب؛ نحتاج إلى أن نتعلم منها كيف ننتج أكثر.

نقول: لا نريد أن يحتاج العالم إلى الصين فقط… بل أن يحتاج إلى إنتاجنا أيضًا!

هل يستطيع كوكب الأرض الاستغناء عن الصين؟

تقول الأرقام إن الاستغناء السريع عنها سيكون بالغ الصعوبة، بالنظر إلى موقعها في الصناعة العالمية وسلاسل التوريد والتكنولوجيا. لكن الأهم من هذا السؤال هو ما ينبغي أن نتعلمه نحن من الإجابة.

الصين لم تصل إلى ما وصلت إليه بالصدفة، ولم تصبح قوة صناعية كبرى بمجرد امتلاكها سوقًا واسعة أو أعدادًا كبيرة من العمال. لقد بنت قدرات إنتاجية، وراكمت خبرات، وطورت بنيتها الصناعية، واستثمرت في المعرفة والتكنولوجيا على مدى عقود.

وهذا هو الدرس الذي يستحق أن يصل إلى كل عاصمة عربية، وإلى كل وزارة تعليم عالٍ، وإلى كل جامعة ورجل أعمال وصاحب قرار.

أرسلوا أبناءكم إلى الجامعات الصينية، افتحوا أمامهم أبواب المصانع ومراكز الأبحاث، ثم أعيدوهم إلى أوطانهم، وامنحوهم الفرصة ليصنعوا مستقبلًا مختلفًا.

لا نريد جيلًا عربيًا يتقن اختيار المنتجات الصينية من الأسواق فقط؛ نريد جيلًا يعرف كيف يصممها ويطورها ويصنعها، وكيف يحوّل المعرفة إلى اقتصاد وفرص عمل وكرامة وطنية.

يا عرب، لا تجعلوا السؤال الدائم: هل يستطيع العالم الاستغناء عن الصين؟ اجعلوا السؤال الذي يؤرقكم: متى يستطيع العالم أن يجد فينا شركاء في الإنتاج، لا مجرد زبائن في الاستهلاك؟

فالدول التي تصنع ما تحتاج إليه تملك جزءًا من قرارها، والدول التي تستورد كل شيء تظل تدفع ثمن ما لم تبنِه.

النهضة لا تصلنا في حاوية صينية؛ النهضة تبدأ حين نمتلك العقول التي تستطيع أن تصنع الحاوية، وما بداخلها، وتصدرها إلى العالم!

Left Menu Icon
الرئيسية