حين تسقط الشعارات عند ساعة الحقيقة

تم النشر بتاريخ 7 أكتوبر, 2026

جميل الشعبي

كشفت الأحداث الأخيرة، وما رافق سقوط مدينة المخا – أو بالأصح تسليمها للحوثيين – ثم سقوط التربة خلال ساعات، عن حقيقة طالما جرى تجاهلها أو التغطية عليها بالشعارات.
السؤال اليوم ليس: أين كانت الشعارات؟
بل: أين كانت القيادات العسكرية التي طالما ظهرت وهي تتوشح بعلم الجمهورية، وتصول وتجول في المواكب، وتقدم نفسها أمام الناس باعتبارها حامية الوطن وحائط الصد الأول عنه؟
أين اختفت عندما حانت ساعة الصفر؟
ولماذا تقهقرت قواتها وولّت الأدبار، بينما كان المطلوب منها أن تقاتل وتدافع وتصمد؟
هذه الوقائع تعيد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا: هل يمكن لمن يكون ولاؤه الأول لحزبه وأيديولوجيته أن يكون قائدًا عسكريًا وطنيًا، عندما تتعارض مصلحة الحزب مع مصلحة الوطن؟
لقد قيل هذا الكلام مرارًا، لكن البعض كان يراه مجرد خصومة سياسية. واليوم جاءت الميدان لتضع الجميع أمام اختبار حقيقي، ولتكشف الفارق بين من يحمل مشروعًا وطنيًا، ومن يحمل مشروع جماعة أو حزب، ثم يحاول تغليفه بالشعارات الوطنية.
فالقائد الذي يأتي من مدرسة حزبية، ويتلقى تأهيله داخل أطر تنظيمية مغلقة، ثم يتولى موقعًا عسكريًا، قد يتحول – إذا غلب الانتماء الحزبي على الولاء الوطني – من قائد في معركة وطنية إلى مجرد أداة لتنفيذ أجندة سياسية.
وهنا لا نتحدث عن كل المنتمين إلى الأحزاب، ولا عن كل القيادات العسكرية، وإنما عن تلك النماذج التي كشفتها المواقف، وعرّتها ساعة الاختبار.
وفي المقابل، انظروا إلى قوات العمالقة الجنوبية، وما سطرته من مواقف قتالية في ذباب وباب المندب والوازعية وغيرها من جبهات القتال، ثم قارنوا ذلك بأصحاب الأجندات الحزبية والمتخندقين خلف مصالحهم السياسية: ماذا قدم هؤلاء؟ وإلى أين قادت سياساتهم البلاد؟
الحقيقة لا تحتاج إلى كثير من الضجيج؛ فالميدان وحده قادر على إسقاط الأقنعة.
ومن أراد أن يعرف الفرق بين المقاتل الحقيقي والمنتفع، وبين صاحب القضية وصاحب المصلحة، فعليه أن ينظر إلى ساعة الخطر، لا إلى مواكب الاستعراض، ولا إلى الخطب والشعارات، ولا إلى الصور التي تملأ وسائل الإعلام.
المؤسف أن بعض القيادات ظلت تقدم نفسها للناس باعتبارها حامية الوطن وحائط الصد الأول، بينما عند دق طبول الحرب توارت عن المشهد، وتركَت المقاتلين في الميدان يواجهون مصيرهم.
لقد كشفت المعارك الأخيرة الكثير من الأقنعة، وأظهرت أن هناك من تسلق على تضحيات الشرفاء، ونسب الانتصارات إلى نفسه، بينما كان يراقب المشهد من بعيد، وربما من الفنادق، ويتابع أخبار الجبهات عبر الشاشات.
التاريخ لا يحابي أحدًا.
وسيسجل للشرفاء أنهم ثبتوا في الميدان، كما سيسجل للمتخاذلين أنهم غابوا عندما احتاجهم الوطن.
الأيام وحدها كفيلة بكشف الجميع، والشعب في النهاية أقدر على التمييز بين من قاتل وضحى، ومن جعل من الحرب سلّمًا للمناصب والنفوذ والمكاسب.
اللهم انصر قواتنا الجنوبية في كل الجبهات، وثبّت أقدام رجالها، واحفظ كل من يقاتل دفاعًا عن الأرض والكرامة.
ولا نامت أعين الجبناء.

Left Menu Icon
الرئيسية