تم النشر بتاريخ 1 أكتوبر, 2026
محمد علي محسن
لم يأتِ محمد عزَّان في حديثه لقناة ” روتانا خليجية” بجديد جوهري؛ فمعظم ما قاله سبق أن طرحه أو كتبه أثناء حروب صعدة . الجديد أننا نخبًا وشعبًا لا نقرأ، أو لا نكترث بشهادة تاريخية بالغة الأهمية .
عزَّان، الذي كان أحد مؤسسي ” الشباب المؤمن ” مع حسين بدر الدين الحوثي، انشق مبكرًا وأعلن ذلك صراحة، كاشفًا التحولات الفكرية التي قادت إلى الحوثية بصورتها الحالية . وعودته إلى الواجهة اليوم إيجابية ومؤثرة، خصوصًا في هذا الوقت العصيب الذي مازال فيه اليمنيين يدفعون الأثمان باهضة .
يطرح عزَّان نقدًا جوهريًا لفكرة حصر الإمامة في ” البطنين ” – ذرية الحسن والحسين – باعتبارها قضية سياسية لا علاقة لها بالدين . فهي اجتهاد سياسي في لحظة صراع عباسي – علوي، ثم مُنحت لاحقًا غطاءً دينيًا وقداسة ، وبهذا ينزع القداسة عن السلالة، فيسقط ما بُني عليها؛ الولاية، والخُمس، والاصطفاء، وحق البطنين في رقاب اليمنيين .
ويؤكد عزَّان أنه لا يوجد دليل صحيح يحصر الحُكم في قريش، ولا في بني هاشم، ولا في ذرية علي وفاطمة. فالكفاءة والاستقامة لا تتعلقان بالنسب، والقول بولاية كل كفء قادر هو الأصل، لا يحتاج إلى دليل خاص . كما يشرح كيف تحول مفهوم ” الولاية ” إلى تصور ديني يمنح الولي شرعية أعلى من الدستور والانتخابات ومؤسسات الدولة والشعب .
وفي هذا السياق، يفكك عزَّان فكرة ” الاصطفاء الإلهي ” ، التي تزعم أن الله خص ” آل البيت ـ بحق حصري وأبدي في الحُكم ، وهي فكرة تتعارض جذريًا مع أديان السماء ومع قوانين الأرض ، ومع جوهر الشرائع المجسدة للعدالة والمواطنة المتساوية .
ويصف عزَّان ” الشباب المؤمن ” بأنه بدأ مشروعًا زيديًا تعليميًا وفكريًا منفتحًا، قبل أن تظهر خلافات حول الإمامة والولاية والمرجعية . كان حسين الحوثي يريد إعادة أهل البيت إلى موقع المرجعية في فهم الدين، بل كمصدر مستقل للتشريع وسلطة فوق الدولة .
أما عزَّان فيرى أنهم علماء وأئمة يُحترمون ويُستفاد من علمهم، لكنهم ليسوا مصدرًا مستقلًا للتشريع، ولا يملكون حقًا حصريًا في الحكم . ولذلك كان الخلاف بين فكرتين: فكرة الكفاءة والاجتهاد والشورى، وفكرة النسب والولاية والاصطفاء .
هنا تتضح المسافة بين مشروعين ؛ مشروع زيدي سياسي يدعو إليه عزَّان، يقوم على الناس والكفاءة والمؤسسات، ويحترم أهل البيت كعلماء لا كسلالة حاكمة . ومشروع آخر تبناه حسين الحوثي، أعاد إنتاج فكرة ولاية الفقيه الاثنى عشرية الإيرانية بجلباب زيدي، وجعل أهل البيت مرجعية فوق القرآن والدولة .
وفي الحالتين، يقوم المشروع الحوثي ومشاريع الهاشمية السياسية على أن الله اصطفى سلالة لتكون فوق الناس ، وعزَّان، من داخل المدرسة الزيدية، يقول بوضوح : هذا كذب على الدين؛ لا القرآن يقول ذلك، ولا السنة الصحيحة.
نعم ، لم يكن الخلاف على إدارة حزب أو مركز صيفي، بقدر ما هو على ماهية الدولة: هل اليمن جمهورية مواطنين متساوين، أم مزرعة لسلالة تدّعي حقًا إلهيًا؟ ، وقد أدرك عزَّان مبكرًا أن سلطان النسب يتوقف أمام سلطان العلم ، لذلك تمثل دعوته إلى فصل الدين عن السلالة، وإلى دولة الكفاءة والمؤسسات، أقوى نقد للمشروع الحوثي، لأنه يضرب أساسه من داخله.
الولاية الحوثية، كما يكشفها عزَّان، لا تستمد شرعيتها من دستور أو شعب أو انتخابات، وإنما من وهم الاصطفاء ، ولذلك هي فوق الدستور والقانون واليمن ، وهي ليست حركة تحرر وطني، بل خلافة سلالية بعمامة زيدية وعقلية خمينية، ترى المسلمين جميعًا آثمين إن لم يبايعوا وليها .
وخلاصة عزَّان قاسية ودقيقة: “المشروع الحوثي بشكله الحالي غير صالح للحياة “. لأنه مشروع يعيش في الماضي، مشغول بثارات كربلاء وصراعات الأمويين والعباسيين وأحقية البطنين، بينما يريد اليمني دولة حديثة، ووظيفة عامة على الكفاءة لا الولاء، وضرائب عادلة لا إتاوات، وسجونًا فارغة لا ممتلئة بالمظلومين.
وعندما يتحدث عزَّان، فهو ليس ناقدًا خارجيًا، بل شاهد من داخل البيئة التي أنتجت الحوثية . يشبه مهندس البيت الذي يقول إن الأساس مغشوش والخريطة مزورة ، فلا حاجة إلى خبير خارجي ليؤكد أن البيت سيسقط .
الخلاصة .. الحوثي لا يستطيع بناء دولة لأنه لا يؤمن بالدولة، وإنما بالسلالة، والسلالة ضد الدولة.
لذلك، هذا اللقاء ليس مجرد حوار تلفزيوني، بل شهادة وفاة فكرية لمشروع الهاشمية السياسية برمته، من اليمن إلى إيران ..
مركز مسارات للإستراتيجيا و الإعلام موقع اخباري متنوع