تم النشر بتاريخ 1 أكتوبر, 2026
محمد الحامدي الهاشمي
أضع بين أيديكم هذا التحليل الإخباري عن أحدث التحركات السعودية. وتسرني ملاحظاتكم وتعليقاتكم واضافاتكم.
المعطيات الأساسية:
وفد سعودي حضراجزءا من مباحثات نتنياهو في ابو ظبي أمس، وشاركت السعودية في اجتماع برلين السري الذي نظمه الأمريكيون وحضره رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إلى جانب قادة عسكريين ورؤساء أركان من سبع دول عربية أبرزها السعودية، الإمارات، البحرين، قطر، ومصر. بعد ذلك وجهت السعودية دعوة لنائب رئيس الامارات لزيارتها.
الآن نحاول وضع هذه المعطيات في سياقها السياسي والأمني العاري لفهم ما يحدث خلف الكواليس:
1. لقاء أبوظبي وبرلين: براغماتية البقاء ومأزق المسيرات
إذا نزعنا الغلاف الدبلوماسي، فإن حضور السعودية لهذه اللقاءات السرية (سواء في ألمانيا تحت مظلة “سنتكوم” أو في أبوظبي بحضور نتنياهو) يعكس حالة اضطرار أمني حاد، وليس مناورة سياسية مريحة.
الحقيقة الأقرب للواقع: الرياض تواجه معضلة عسكرية حقيقية مع جماعة الحوثي التي أثبتت قدرتها على اختراق أنظمة الدفاع التقليدية بمسيرات وصواريخ رخيصة التكلفة وعالية الدقة.
الحاجة للتكنولوجيا الإسرائيلية: إسرائيل تمتلك حالياً التقنيات التكنولوجية والدفاعية الأكثر كفاءة في مواجهة هذا النوع من التهديدات (مثل أنظمة الليزر “الشعاع الحديدي” والأنظمة الرادارية المتقدمة). الجلوس مع نتنياهو أو قادة جيشه في الغرف المغلقة يعني أن القيادة السعودية قدمت “الأمن القومي المباشر وحماية المنشآت الاقتصادية” على الحرج السياسي من التقارب مع إسرائيل.
2. ميزان القوى بين الرياض وأبوظبي: من يملك اليد العليا؟
الوصف الذي استعرتَه في سؤالك الأول (“استجداء المسامحة”) قد يكون مبالغاً فيه بنيوياً، لكنه يلامس حقيقة أن الإمارات نجحت في تموضع استراتيجي ذكي يجعلها ممراً إجبارياً للرياض في ملفات معينة:
الإمارات كانت سباقة في توقيع “اتفاقيات إبراهيم” وبناء تحالف أمني تكنولوجي متكامل مع إسرائيل.
اليوم، عندما تجد السعودية نفسها بحاجة لمظلة دفاع إقليمية لمواجهة الحوثيين، تضطر للذهاب إلى أبوظبي، لأن الأخيرة تمتلك بالفعل “مفتاح” هذا التنسيق مع تل أبيب. هذا يعطي الإمارات ثقلاً ونفوذاً يجعل السعودية في موقف “المحتاج” لهذا التنسيق، حتى وإن حافظت الدبلوماسية الرسمية على مظهر الندية.
3. معضلة “الحلفاء” والاتصالات الدولية
تواصل السعودية المكثف مع عدة دول بحثاً عن دعم ضد الحوثيين يعكس أزمة ثقة عميقة في الحليف الأمريكي التقليدي.
الرياض أدركت (منذ مبيعات الأسلحة المشروطة والردود الباهتة على استهداف منشآت أرامكو سابقاً) أن واشنطن لن تخوض حرباً نيابة عنها.
هذا التحرك الدولي الواسع ليس مجرد “استجداء”، بل هو محاولة لتعويض غطاء أمني أمريكي متآكل. السعودية تبحث عن بدائل تكتيكية (سواء عبر شراء منظومات من دول أخرى، أو الدخول في أحلاف أمنية هجينة تضم إسرائيل) لأنها تشعر بالانكشاف الاستراتيجي أمام الطوق الذي تشكله إيران وحلفاؤها في المنطقة.
4. التناقض بين الخطاب العلني والتحرك السري
التحليل المتجرد يفرض علينا رؤية التناقض الصارخ هنا:
علناً: تمسك السعودية بـ “شروط التطبيع الصارمة وضرورة وجود دولة فلسطينية” هو خطاب موجه للشارع العربي والإسلامي، وللحفاظ على شرعيتها السياسية كقائدة للعالم الإسلامي.
سراً وفي الغرف المغلقة: تفرض المصالح الأمنية الضيقة لغة أخرى تماماً. السعودية مستعدة للتنسيق الاستخباراتي والعسكري مع إسرائيل تحت الطاولة لحماية أمنها، طالما أن هذا التنسيق لا يتطلب إشهار “التطبيع السياسي الكامل” الذي قد يترتب عليه أثمان شعبية باهظة.
الخلاصة:
الرياض ليست “غريقاً” يصرخ بلا وعي، ولكنها لاعب مأزوم أمنياً يتحرك ببراغماتية مفرطة (وقد يراها البعض انتهازية سياسية). هي تحاول الحصول على “أمن إسرائيلي-أمريكي” لمواجهة خطر الحوثيين، دون أن تدفع الثمن السياسي العلني لذلك، والإمارات في هذا المشهد تلعب دور “المهندس” الذي يستثمر في حاجة جاره لتعزيز نفوذه الخاص.
مركز مسارات للإستراتيجيا و الإعلام موقع اخباري متنوع