تم النشر بتاريخ 18 سبتمبر, 2026
كتب: جميل محمد الشعبي
تتداول أوساط سياسية وإعلامية معلومات عن مشاورات تجري خلف الكواليس بين المملكة العربية السعودية وقيادات في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، تتصل بترتيبات عسكرية وأمنية لاستعادة مناطق استراتيجية في الساحل الغربي، وفي مقدمتها باب المندب والمخا من قبضة جماعة الحوثيين.
وبحسب ما يتم تداوله، فقد طُرحت أسماء شخصيات جنوبية ذات خلفية سلفية للمشاركة في قيادة هذه التحركات، من بينها اسم أبو العباس، إلا أن المقترح ـ وفقاً لهذه الروايات ـ يواجه اعتراضات من أطراف محسوبة على حزب التجمع اليمني للإصلاح، بذريعة ارتباط الرجل سابقاً بدعم إماراتي.
وحتى الآن، لا توجد أمام الرأي العام معلومات رسمية كافية تؤكد بصورة قاطعة طبيعة هذه المشاورات أو الأسماء المطروحة، وهو ما يجعل التعامل معها بحاجة إلى قدر من التحفظ والتحقق.
لكن بعيداً عن صحة التفاصيل من عدمها، فإن القضية تفتح سؤالاً أكبر بكثير من مجرد تعيين قائد عسكري هنا أو هناك:
إذا كانت هذه التعيينات مرتبطة بمعركة عسكرية لاستعادة أراضٍ يمنية خاضعة للحوثيين، فلماذا تتحول عملية اختيار القيادات العسكرية إلى ساحة تفاوض ومساومات حزبية؟
وهنا تحديداً تكمن المشكلة.
هل أصبحت الأحزاب شريكاً في القرار العسكري؟
من الطبيعي أن تكون للأحزاب والقوى السياسية مواقفها ورؤيتها، وأن تشارك في الحياة السياسية، لكن من غير الطبيعي ـ في ظروف الحرب ـ أن تصبح الحسابات الحزبية معياراً أساسياً في اختيار القيادات القادرة على خوض المعركة.
فالجيش في أي دولة يفترض أن يخضع لمؤسسات الدولة، والقرار العسكري يفترض أن يُبنى على الكفاءة والقدرة والخبرة والقبول الميداني، وليس على مقدار رضا هذا الحزب أو اعتراض ذاك المكوّن.
وإذا كانت الأولوية فعلاً هي تحرير الأراضي اليمنية الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، فإن السؤال يصبح مشروعاً:
هل الأولوية لتحرير الأرض، أم لإرضاء القوى السياسية؟
فاليمن منذ سنوات طويلة يعاني من تعدد مراكز القرار، وتضارب الولاءات، وتداخل السياسي بالعسكري، حتى أصبحت بعض المعارك تُدار بمنطق التوازنات السياسية أكثر مما تُدار بمنطق الأهداف العسكرية.
والنتيجة أمام الجميع.
مناطق واسعة ما زالت تحت سيطرة الحوثيين، بينما استنزفت الشرعية وحلفاؤها سنوات طويلة في الصراعات الداخلية وإعادة توزيع النفوذ والمناصب.
المراضاة السياسية.. أين أوصلت اليمن؟
المشكلة ليست في حزب بعينه بقدر ما هي في منهج إدارة ظل حاضراً طوال سنوات الحرب.
فحين يصبح القرار رهينة لموافقة مجموعة من الأحزاب والمكونات، وحين تتحول التعيينات العسكرية إلى عملية إرضاء سياسي، فإن المؤسسة العسكرية تفقد جزءاً من قدرتها على العمل وفق هدف واضح.
وهذا لا يعني تحميل حزب واحد مسؤولية الحرب أو الفشل كله، فالمشهد اليمني أكثر تعقيداً من ذلك، وتتحمل أطراف متعددة مسؤوليات مختلفة عن مسار الحرب ونتائجها.
لكن من حق اليمنيين أن يسألوا:
هل أثبتت آلية إدارة الحرب الحالية قدرتها على تحقيق الهدف الذي أُعلنت الحرب من أجله؟
بعد أكثر من عقد من الحرب، لا تزال مناطق واسعة من شمال اليمن تحت سيطرة الحوثيين، ولم تتمكن القوى المناهضة لهم من تحقيق حسم عسكري شامل أو استعادة العاصمة صنعاء.
وهذه حقيقة ميدانية لا تحتاج إلى كثير من التجميل السياسي.
الجنوب يقدم تجربة مختلفة
في المقابل، شهد الجنوب خلال عام 2015 تحولات عسكرية سريعة، وتمكنت القوات والمقاومة الجنوبية من طرد الحوثيين من عدن وعدد من المحافظات الجنوبية خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.
ويرى الجنوبيون أن أحد أسباب ذلك كان أن قرار المواجهة في تلك اللحظة لم يكن محكوماً بإملاءات حزبية أو بصراع بين مراكز سياسية، بل جاء من حالة تعبئة شعبية واسعة للدفاع عن الأرض والمجتمع، وشارك فيها أبناء مختلف المناطق الجنوبية.
وهنا ينبغي التفريق بين وصف تجربة عسكرية محددة وبين القول إن الظروف متطابقة اليوم؛ فالمشهد العسكري والسياسي في 2026 مختلف تماماً عن مشهد 2015.
لكن التجربة تظل جديرة بالتوقف أمامها:
عندما يشعر المقاتل أن المعركة معركته، وأن القرار العسكري مرتبط مباشرة بالدفاع عن أرضه ومجتمعه، فإن مستوى التعبئة الشعبية يكون مختلفاً.
السعودية أمام سؤال المراجعة
المملكة العربية السعودية ليست طرفاً هامشياً في الملف اليمني. ومنذ سنوات، تمتلك الرياض تأثيراً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً كبيراً في معسكر الحكومة اليمنية.
ولهذا فإن استمرار سياسة الموازنة بين الأحزاب والمكونات يضع السعودية نفسها أمام سؤال صعب:
هل ساهمت سياسة استرضاء القوى السياسية المختلفة في إطالة أمد الحرب بدلاً من حسم أهدافها؟
فالمراضاة قد تكون مفهومة في مرحلة بناء توافق سياسي، لكنها تصبح مشكلة عندما تنتقل إلى المجال العسكري وتؤثر في اختيار القيادات وتحديد الأولويات الميدانية.
القائد الذي سيُرسل إلى جبهة باب المندب أو المخا لا ينبغي أن يُختار لأنه مقبول حزبياً، كما لا ينبغي رفضه لمجرد أن جهة إقليمية سبق أن دعمته.
المعيار المفترض هو:
من يمتلك القدرة على القتال؟ من لديه قوات حقيقية على الأرض؟ من يستطيع حماية المنطقة بعد تحريرها؟ من يمتلك الخبرة والقبول المحلي؟ ومن يستطيع العمل ضمن مؤسسة عسكرية وطنية؟
هذه هي الأسئلة التي يفترض أن تتقدم على الحسابات الحزبية.
أبو العباس.. الاسم ليس هو القضية
سواء تم اعتماد اسم أبو العباس أو غيره، فإن القضية الأساسية ليست شخص الرجل وحده.
إذا كانت هناك شخصية تمتلك خبرة عسكرية وقاعدة ميدانية، فمن الطبيعي أن تخضع تجربتها وسجلها وتحالفاتها للتقييم المؤسسي والقانوني.
لكن الارتباط السابق بدولة إقليمية لا ينبغي وحده أن يكون معياراً مطلقاً للقبول أو الرفض، كما أن الدعم الخارجي لا ينبغي أن يكون شهادة براءة سياسية أو عسكرية.
المعيار يجب أن يكون واضحاً ومطبقاً على الجميع.
فإذا كان المطلوب تحرير باب المندب والمخا، فليكن النقاش حول خطة التحرير، والقوات المشاركة، وسلسلة القيادة، والتمويل، والإسناد، والقوة البشرية، وما بعد التحرير.
أما أن تتحول القضية إلى:
«هذا الرجل إماراتي» أو «ذاك الرجل سعودي» أو «هذا محسوب على الإصلاح» أو «ذاك محسوب على الانتقالي»،
فإن اليمن سيبقى يدور في الدائرة نفسها.
اليمن بحاجة إلى قرار وطني لا إلى محاصصة
المطلوب اليوم ليس إقصاء حزب أو تمكين حزب آخر.
اليمن بحاجة إلى قرار وطني عسكري وسياسي واضح، وإلى مؤسسة عسكرية تُبنى على الكفاءة والانضباط، لا على المحاصصة.
وإذا كانت المملكة تريد فعلاً مساعدة الحكومة اليمنية في استعادة المناطق الخاضعة للحوثيين، فإن عليها ـ من وجهة نظر نقدية ـ أن تراجع آليات صناعة القرار التي اتبعتها خلال السنوات الماضية، وأن تسأل بجدية:
لماذا لم تتحول الإمكانات الكبيرة التي جرى إنفاقها سياسياً وعسكرياً إلى نتائج ميدانية تتناسب معها؟
ولماذا بقيت جبهات كثيرة تراوح مكانها؟
ولماذا ظل الصراع بين القوى المناهضة للحوثيين يستنزف جزءاً مهماً من طاقتها؟
ولماذا أصبحت بعض القوى السياسية قادرة على تعطيل خيارات عسكرية بحجة التوازنات الحزبية؟
لا يمكن تحرير اليمن بعقلية تقاسم النفوذ
اليمن الذي أنهكته الحرب والجوع والنزوح لا يحتاج إلى مزيد من الصفقات الحزبية.
يحتاج إلى استراتيجية واضحة:
تحديد العدو، وتوحيد القيادة، وتفعيل الجبهات، واختيار القيادات وفق الكفاءة، وتوفير الدعم، ومنع تضارب مراكز القرار، وربط أي عملية عسكرية بهدف سياسي واضح.
أما الاستمرار في تدوير الشخصيات نفسها، ومراعاة هذا الحزب خشية غضبه، واسترضاء ذلك المكوّن خشية فقدان نفوذه، فلن يؤدي بالضرورة إلا إلى إعادة إنتاج الأخطاء نفسها.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح في الرياض قبل صنعاء وعدن وتعز هو:
هل تريد السعودية بناء قوة يمنية قادرة على تحقيق أهداف عسكرية محددة، أم أنها ستظل تدير المشهد بمنطق موازنة الأحزاب والمكونات؟
فالوقت لم يعد يسمح بمزيد من التجارب.
وإذا كانت هناك فعلاً فرصة لإعادة فتح جبهة الساحل الغربي واستعادة باب المندب والمخا، فإن تحويل هذه الفرصة إلى مجرد ورقة جديدة في صراع النفوذ الحزبي سيكون إهداراً لفرصة عسكرية وسياسية مهمة.
اليمن لا يحتاج إلى حزب يحكم المعركة، ولا إلى مكوّن يحتكر القرار.
اليمن يحتاج إلى قرار دولة، ومؤسسة عسكرية، ومعايير واضحة، وقيادة تتحمل مسؤولية النتيجة أمام الشعب.
فبعد سنوات طويلة من الحرب، لم يعد السؤال: من يرضى؟
بل السؤال الأهم:
من يستطيع أن ينجز المهمة؟
مركز مسارات للإستراتيجيا و الإعلام موقع اخباري متنوع