بناء الصف الثاني من القيادات استثمار في مستقبل الدولة

تم النشر بتاريخ 5 أغسطس, 2026

حمامة عثمان الصنوي

نرى أنه من أكبر التحديات التي تواجه مؤسسات الدولة أن يرتبط نجاحها أو تعثرها بأشخاص بعينهم، حتى يصبح رحيل أي مسؤول أو تغييره سبباً في ارتباك العمل أو توقفه.

وهذا يكشف غياب ثقافة مؤسسية تقوم على إعداد قيادات جديدة قادرة على مواصلة المسيرة.

إن بناء الصف الثاني من القيادات ضرورة وطنية لضمان استمرارية المؤسسات وتعزيز كفاءتها.

فالمؤسسات الناجحة لا تنتظر شغور المناصب لتبدأ البحث عن بدائل، بل تعمل بصورة مستمرة على اكتشاف الكفاءات، وتأهيلها، ومنحها الفرصة لاكتساب الخبرة وتحمل المسؤولية تدريجياً.

ولا يقتصر بناء الصف الثاني على التدريب فقط، بل يشمل إشراك الكفاءات الشابة من الجنسين ، في التخطيط وصنع القرار، وتكليفها بمهام حقيقية، وتقييم أدائها وفق معايير واضحة تقوم على الكفاءة والنزاهة والإنجاز، بعيداً عن الاعتبارات الشخصية أو الحزبية أو المناطقية.

كما أن هذا النهج لا ينتقص من قيمة القيادات الحالية أو خبراتها، بل يجعلها شريكاً في صناعة المستقبل من خلال نقل المعرفة والخبرة إلى جيل جديد من القيادات، بما يضمن استدامة العمل المؤسسي ويحافظ على تراكم الخبرات داخل الدولة.

واليمن اليوم يمتلك طاقات وكفاءات كبيرة، رجالاً ونساءً، في مختلف التخصصات. وما تحتاجه هذه الكفاءات هو وجود سياسات واضحة لاكتشافها وتأهيلها، وفتح المجال أمامها للمشاركة في تحمل المسؤولية، حتى يصبح الانتقال بين القيادات عملية طبيعية قائمة على الجدارة والاستحقاق، وليس استجابة لظروف طارئة أو فراغ إداري.

يعتبر بناء الصف الثاني من القيادات هو استثمار طويل الأمد في مستقبل الدولة، لأنه يرسخ ثقافة المؤسسة بدلاً من ثقافة الفرد، ويعزز الثقة في الإدارة العامة، ويضمن استمرار الأداء بكفاءة مهما تغيرت القيادات.

فالدول القوية تُبنى بالمؤسسات، والمؤسسات القوية تُبنى بقيادات متجددة، تُعد منذ اليوم لتحمل مسؤولية الغد.

و لعل ما شهدته وزارة الدفاع مؤخرا، من اعتماد آلية صرف مرتبات منتسبي القوات المسلحة مباشرة عبر البطاقة الذكية، بدلاً من تحويلها الى قيادة الوحدات او مندوبيهم ،يمثل نموذجاً عمليا لمحاولة الإنتقال من الإدارة القائمة على الأشخاص الى الإدارة القائمة على المؤسسات، فحين ترتبط الحقوق بالافراد مباشرةً، و تتقلص حلقات الوساطة، تصبح الشفافية أكثر حضوراً، و تتراجع فرص الإستغلال او الاحتكار ، ومن الطبيعي أن تواجه مثل هذه الإصلاحات مقاومة من بعض المستفيدين من الآليات التقليدية،
لان أي إصلاح مؤسسي حقيقي يمس مراكز النفوذ قبل ان يغير الإجراءات .
و هذا يؤكد أن الإصلاح الإداري لا يقتصر فقط على تغيير القيادات او تدوير المناصب، بل يشمل أيضاً بناء أنظمة و اجراءات تضمن استمرار العمل بمعزل عن الأشخاص، و تعزز المساءلة ، وتحمي الحقوق وتكرس مبدأ ان المؤسسات تدار بالقانون و اللوائح، وليست بالعلاقات الشخصية أو النفوذ، فكل خطوة تقلل الإعتماد على الفرد ، و تزيد الإعتماد على النظام هي خطوة في الاتجاه الصحيح لبناء دولة حديثة .

Left Menu Icon
الرئيسية