تم النشر بتاريخ 28 يوليو, 2026
د. عادل الشجاع
في الوقت الذي ينتظر فيه اليمنيون خطابا إعلاميا يواكب تعقيدات المرحلة ويعكس وعيا بحقائق الحرب، يخرج وزير الإعلام بتصريح يقول فيه إن “المؤشرات كافة تدلل على ارتباط قرار الحوثيين بأجندة الحرس الثوري الإيراني”، وكأن الرجل كشف سرا ظل مجهولًا طوال السنوات الماضية، لتأتي بعض الوسائل الإعلامية، ومنها “الحدث”، وتتعامل مع هذا التصريح بوصفه سبقا صحفيا يستحق الاحتفاء..
إن علاقة الحوثيين بإيران لم تعد محل جدل أو استنتاج، بل أصبحت واقعا معلنا لا يحتاج إلى مؤشرات ولا إلى قرائن. فالجماعة نفسها لم تعد تخفي ارتباطها السياسي والعسكري بطهران، كما أن الزيارات المتبادلة واللقاءات الرسمية والتنسيق المعلن بين الطرفين أصبحت جزءا من المشهد المعروف للجميع..
ولعل أوضح الأمثلة على ذلك مشاركة وفد حوثي في مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي، وهي الزيارة التي تمت عبر طائرة إيرانية أقلت الوفد من مطار صنعاء، ثم أعادته إلى مطار الحديدة بعد أن منعت من الهبوط مجددا في صنعاء. مثل هذه الوقائع ليست شائعات ولا تحليلات سياسية، بل أحداث موثقة تؤكد حجم العلاقة بين الجماعة وإيران بما لا يدع مجالا للتأويل..
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا يقدم وزير الإعلام لليمنيين عندما يعيد إنتاج حقائق يعرفها العالم منذ أكثر من اثني عشر عاما؟ وهل أصبحت مهمة الوزارة تكرار البديهيات بدلا من بناء خطاب إعلامي يواجه الدعاية الحوثية، ويكشف انتهاكاتها، ويخاطب الداخل والخارج بلغة أكثر تأثيرا؟.
إن الحرب التي يعيشها اليمن منذ عام 2014 لم تنفجر في فراغ بل، كان النفوذ الإيراني أحد أبرز محاورها. وبالتالي فإن الحديث عن ارتباط الحوثيين بطهران باعتباره اكتشافا جديدا لا يعكس إلا انفصالا عن الواقع السياسي والإعلامي، ويثير تساؤلات حول مستوى الأداء داخل مؤسسة يفترض أنها تمثل صوت الدولة..
إلى متى سيستمر المواطن اليمني في دفع ثمن هذا الأداء الباهت، بينما تتراجع فاعلية الخطاب الرسمي أمام آلة إعلامية حوثية تمتلك خطابا واضحا، وتتحرك وفق أهداف محددة، في حين تبدو وزارة الإعلام منشغلة بإعادة تدوير ما هو معروف منذ سنوات..
إن المسؤولية اليوم لا تقع على الوزير، بل تمتد إلى مجلس القيادة الرئاسي الذي يتحمل مسؤولية تقييم أداء المسؤولين ومحاسبتهم على ما يقدمونه. فوجود وزير ما يزال يتحدث عن علاقة الحوثيين بإيران كما لو أنها اكتشاف حديث، بعد أكثر من اثني عشر عاما من الحرب التي كان هذا الارتباط أحد أبرز أسبابها، يطرح تساؤلات مشروعة حول معايير الكفاءة والقدرة على إدارة الملف الإعلامي..
اليمن لا يحتاج إلى مسؤولين يكتشفون البديهيات، بل إلى قيادات تمتلك رؤية، وتدرك طبيعة المعركة الإعلامية، وتخاطب الرأي العام بوعي ومسؤولية. أما الاكتفاء بترديد ما يعرفه الجميع، فلن يغير شيئا في واقع الحرب، ولن يخفف من معاناة اليمنيين، بل سيزيد الفجوة بين مؤسسات الدولة والمواطن الذي ينتظر أداء يليق بحجم التحديات..
مركز مسارات للإستراتيجيا و الإعلام موقع اخباري متنوع