تم النشر بتاريخ 16 يوليو, 2026
بقلم : المهندس غسان جابر
القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.
يُروى أن امرأة جاءت إلى الحجاج بن يوسف الثقفي تشكو له قلة الفئران في بيتها.
ابتسم الحجاج، وفهم الرسالة فوراً.
لم تكن المرأة تشكو الفئران، بل كانت تشكو غياب الطعام. فالفئران لا تهاجر من البيوت العامرة، ولا تغادر المطابخ الممتلئة، ولا تعلن العصيان المدني ضد أصحاب المنازل، بل تفعل ما تفعله دائماً: تتبع الخبز حيث يكون.
ولذلك لم يشكل الحجاج لجنة وطنية لدراسة ظاهرة هجرة الفئران، ولم يطلب تقريراً استراتيجياً حول أسباب عزوفها عن دخول المنازل، ولم يعقد مؤتمراً بعنوان “الفئران بين التحديات والفرص”، ولم يخصص موازنة لدعم صمود الفئران في البيوت الفقيرة.
فهم الرجل ببساطة أن المشكلة ليست في الفئران…
بل في الطعام.
بعد أكثر من ألف عام، يبدو أننا ما زلنا نرتكب الخطأ نفسه، ولكن على نطاق أوسع وبميزانيات أكبر.
نحن لا نناقش الجوع، بل نناقش سلوك الفئران.
لا نناقش أسباب هجرة الشباب، بل نناقش ضعف انتمائهم الوطني.
لا نناقش أسباب انهيار الثقة بالمؤسسات، بل نناقش أسباب “سلبية” المواطنين.
لا نناقش لماذا أغلقت المتاجر أبوابها، بل نناقش لماذا لم يصمد أصحابها أكثر.
لا نناقش لماذا يهاجر الأطباء والمهندسون والكفاءات، بل نناقش لماذا لا يتحلون بمزيد من الصبر.
دائماً المشكلة في الفئران…
أما المخزن الفارغ، فهو موضوع حساس لا يفضّل الاقتراب منه.
في فلسطين، أصبح لدينا قدرة استثنائية على إدارة الأعراض وتجنب الأمراض.
عندما ترتفع البطالة، نعقد ورشات عمل عن ريادة الأعمال.
وعندما يهاجر الشباب، نعقد مؤتمرات عن تعزيز الانتماء.
وعندما تنهار الأسواق، نرفع الشعارات عن الصمود الاقتصادي.
وعندما يفقد المواطن ثقته بالمؤسسات، نطالبه بالمزيد من الثقة.
وكأننا نعالج الحريق عبر توزيع نشرات توعوية عن أهمية الماء.
لو عاش الحجاج في أيامنا هذه، لربما شاهد مؤتمراً صحفياً يخرج فيه أحد المسؤولين ليعلن بكل جدية:
“تشير الدراسات الأولية إلى وجود انخفاض حاد في أعداد الفئران، وقد تم تشكيل لجنة عليا ولجنة فنية ولجنة متابعة ولجنة متابعة للجنة المتابعة لدراسة الظاهرة.”
ثم يضيف:
“نؤكد للمواطنين أن الوضع تحت السيطرة، وأن الفئران ستعود قريباً إلى سابق عهدها.”
وسيخرج خبير استراتيجي ليشرح على شاشة التلفاز أن المشكلة الحقيقية ليست في نقص الطعام، بل في ضعف الروح المعنوية لدى الفئران، وأن عليها التحلي بمزيد من الصمود الوطني.
وقد يظهر محلل اقتصادي ليقترح إطلاق صندوق لدعم الفئران الصغيرة والمتوسطة، مع توفير قروض ميسرة للفئران الريادية الراغبة في دخول سوق العمل.
أما الفأر الأخير الذي غادر المنزل، فربما كان سيصدر بياناً مقتضباً يقول فيه:
“لم أغادر بسبب السياسة، ولا بسبب الاقتصاد، ولا بسبب انقطاع الكهرباء والمياه… لقد غادرت فقط لأن الثلاجة كانت فارغة منذ أشهر.”
المفارقة أن الجميع سيغضب من تصريح الفأر…
ولن يسأل أحد عن الثلاجة.
وهذه بالضبط هي قصتنا.
نحن نتجادل حول الأعراض، لأن الاقتراب من الأسباب مكلف.
نتحدث عن النتائج، لأن الحديث عن المسؤوليات أكثر إزعاجاً.
نناقش الشكوى، لأن مناقشة أسبابها قد تفتح أبواباً لا يرغب كثيرون في فتحها.
والحقيقة القاسية هي أن الفلسطيني اليوم لا يعاني فقط من الاحتلال وإجراءاته وسياساته التي تخنق الاقتصاد وتقيّد الحركة وتصادر المستقبل، بل يعاني أيضاً من تراكم أزمات داخلية أصبح مجرد الحديث عنها يثير التوتر والاتهامات، وكأن الصمت تحول إلى فضيلة وطنية، وكأن الاعتراف بالخلل خيانة أكبر من الخلل نفسه.
لكن الأوطان لا تُبنى بالصمت.
ولا تُدار بالمجاملات.
ولا تُنقذ بإعادة تدوير الخطابات نفسها كل عام.
الحجاج، بكل ما يمكن أن يقال عنه، احتاج إلى دقائق ليفهم أن اختفاء الفئران يعني اختفاء الطعام.
أما نحن، فما زلنا بعد سنوات طويلة نختلف حول عدد الفئران، ونختلف حول لون الفئران، ونختلف حول الجهة المسؤولة عن الفئران، بينما يظل السؤال الحقيقي واقفاً وحيداً في منتصف الغرفة:
من الذي أفرغ المخزن؟
ومن الذي كان يحمل مفاتيحه؟
ومن الذي قرر أن أفضل طريقة للتعامل مع الجوع ليست توفير الطعام، بل مطالبة الجائعين بخفض سقف توقعاتهم؟
في النهاية…
الفلسطينيون لا يطالبون بفئران أكثر.
ولا بخطب أطول.
ولا بلجان جديدة.
هم يريدون فقط إجابة بسيطة وصريحة:
كيف فرغ المخزن؟
أما السؤال الأكثر إزعاجاً، والأكثر خطورة، والأكثر قدرة على إشعال الجدل، فهو ليس أين ذهبت الفئران…
بل:
من كان يقف حارساً على باب المخزن عندما اختفى الطعام؟
م. غسان جابر
مركز مسارات للإستراتيجيا و الإعلام موقع اخباري متنوع