تم النشر بتاريخ 13 يوليو, 2026
محسن المهري
في عالم اليوم، لا تكفي الرغبة في النجاح وحدها، فكل مجال تحكمه قواعد ومعايير ومنصات تحدد شكل المنافسة وحدود المقبول والمرفوض. ومن هنا يبرز سؤال مهم: هل يستطيع العرب والمسلمون تحقيق النجاح الكامل داخل منظومات لم يكن لهم الدور الأكبر في صياغة قواعدها؟
لا شك أن العالم أصبح أكثر ترابطاً، وأن القوانين والمعايير الدولية أسهمت في تنظيم كثير من المجالات، لكن الإشكالية تظهر عندما يشعر البعض بأن هذه المعايير لا تطبق دائماً بالدرجة نفسها على الجميع، وأن تفسيرها قد يختلف باختلاف هوية الطرف أو موقعه أو حجم نفوذه.
في السياسة، نجد أن بعض الدول تواجه ضغوطاً وانتقادات كبيرة بسبب مواقفها، بينما تجد دول أخرى مساحة أوسع للحركة رغم وجود مواقف مشابهة أو مثار جدل. وفي الثقافة، تُطرح أحياناً نماذج معينة باعتبارها معايير عالمية، في حين تجد ثقافات أخرى نفسها مطالبة دائماً بتقديم مبررات للدفاع عن خصوصيتها وقيمها.
أما في الرياضة، التي يفترض أن تكون نموذجاً للمنافسة الشريفة، فإن النقاش حول ازدواجية المعايير يظهر بين فترة وأخرى. فقد أثارت بعض القضايا تساؤلات حول طريقة تعامل المؤسسات الرياضية الدولية مع أحداث مختلفة؛ فبينما تُصنف بعض القضايا باعتبارها شؤوناً داخلية أو مرتبطة بظروف خاصة، تُمنح قضايا أخرى مساحة واسعة باعتبارها من حقوق التعبير أو المواقف المقبولة.
هذه النقاشات لا تعني بالضرورة أن كل المؤسسات أو كل الدول تتبع نهجاً واحداً، لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً: من يضع تعريفات القيم العالمية؟ ومن يملك القدرة على التأثير في صياغة القواعد التي تحكم العالم؟
إن المشكلة الأساسية ليست في وجود معايير عالمية، بل في غياب التوازن في المشاركة بصناعتها. فالأمم التي لا تمتلك أدوات القوة والتأثير غالباً ما تجد نفسها في موقع المتلقي، تحاول النجاح وفق شروط وضعها الآخرون.
ولهذا فإن الطريق أمام العرب والمسلمين لا يكون برفض العالم أو الاكتفاء بانتقاد الآخرين، بل ببناء عناصر القوة الحقيقية: تطوير التعليم، وتعزيز الاقتصاد، وصناعة المعرفة، ودعم الإعلام المؤثر، والاستثمار في الرياضة والثقافة، حتى يصبح لهم دور فاعل في صياغة مستقبل العالم لا مجرد التكيف مع قواعده.
فالتاريخ يؤكد أن الأمم التي تفرض احترامها ليست تلك التي تشتكي من المعايير، بل تلك التي تمتلك القدرة على صناعة معايير جديدة من خلال الإنجاز والتميز.
إن التحدي الحقيقي أمام العالم العربي والإسلامي هو الانتقال من موقع التأثر إلى موقع التأثير، ومن محاولة اجتياز اختبارات الآخرين إلى المشاركة في وضع قواعد المنافسة، لأن من يملك صناعة المعايير يملك جزءاً كبيراً من صناعة المستقبل.
محسن المهري
13- 7- 2026
سلطنة عمان
مدينة صلاله
مركز مسارات للإستراتيجيا و الإعلام موقع اخباري متنوع