من احتلال الأرض إلى احتلال الزمن: الجريمة التي لا يراها العالم

تم النشر بتاريخ 9 يوليو, 2026

م.غسان جابر

كم يبلغ ثمن ساعة من عمر الإنسان؟

سؤال يبدو فلسفيًا في المدن المستقرة، لكنه في فلسطين سؤال سياسي واقتصادي وإنساني من الدرجة الأولى.

فالإنسان الذي يغادر منزله قبل الفجر ليصل إلى عمل يبعد عنه دقائق معدودة، والطالب الذي يحسب طريقه إلى الجامعة وفق احتمالات الإغلاق قبل أن يحسبه وفق المسافة، والمريض الذي يخوض سباقًا مع الوقت قبل أن يخوض معركته مع المرض، جميعهم يعيشون تحت شكل جديد من أشكال السيطرة لم يعد العالم يملك له اسمًا دقيقًا.

إنه احتلال الزمن.

لقد اعتاد العالم على تعريف الاحتلال باعتباره سيطرة على الأرض والموارد والحدود. لكن التجربة الفلسطينية تكشف أن الاحتلال الحديث أكثر تطورًا من التعريفات التقليدية.

فالأرض ليست الهدف النهائي.

إنها مجرد وسيلة.

أما الهدف الحقيقي فهو الإنسان نفسه.

وعندما يصبح الإنسان هو الهدف، يصبح الزمن هو ساحة المعركة الحقيقية.

فالاحتلال الذي يصادر أرضك يحرمك من الجغرافيا.

أما الاحتلال الذي يصادر وقتك، فإنه يصادر حياتك قطعة قطعة، وساعة بعد ساعة، وعامًا بعد عام.

في العالم الطبيعي تُقاس الطرق بالكيلومترات.

أما في فلسطين فتُقاس بالأعصاب، وبالقلق، وبالساعات الضائعة، وبالعمر المستنزف.

هناك شعوب تخطط لعام 2050.

وهناك شعب ما زال يحاول معرفة إن كان سيتمكن من الوصول إلى عمله صباح الغد.

هناك دول تتنافس على تقليص زمن المعاملات إلى دقائق.

وهناك مجتمع كامل يعيش تحت نظام يقوم على إطالة الزمن وتحويل الانتظار إلى سياسة عامة.

انتظار على الحواجز.

انتظار للتصاريح.

انتظار للإجراءات.

انتظار لقرارات لا يعرف أحد متى تصدر ولا متى تتغير.

وكأن المطلوب ليس فقط تقييد الحركة، بل إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والزمن نفسه.

في الاقتصاد الحديث يعتبر الوقت أهم عناصر الإنتاج.

بل إن الثروة الحقيقية للدول لم تعد النفط ولا الذهب ولا المواد الخام، بل القدرة على إدارة الوقت بكفاءة أعلى.

الدول المتقدمة تربح لأنها تختصر الزمن.

أما الفلسطيني فيُطلب منه أن يدفع ثمنًا إضافيًا من عمره مقابل كل شيء.

ثمنًا للوصول إلى العمل.

وثمنًا للوصول إلى الجامعة.

وثمنًا للوصول إلى المستشفى.

وثمنًا لمجرد الانتقال من مكان إلى آخر داخل وطنه.

إنها ضريبة غير مكتوبة تُدفع بالعمر لا بالمال.

ولو جرى احتساب القيمة الاقتصادية لملايين الساعات المهدورة سنويًا، لاكتشف العالم أن أحد أكبر أشكال الاستنزاف الاقتصادي في فلسطين لا يظهر في الميزانيات ولا في التقارير المالية، بل يختبئ في عقارب الساعات.

لكن الخسارة الأخطر ليست اقتصادية.

الخسارة الحقيقية تحدث داخل الوعي الإنساني نفسه.

فالإنسان الذي يعيش طويلًا في بيئة يسيطر عليها عدم اليقين الزمني، يتوقف تدريجيًا عن التخطيط البعيد.

يتراجع الاستثمار في المستقبل.

تتقلص مساحة الحلم.

وتصبح النجاة من اليوم الحالي إنجازًا بحد ذاته.

وهنا تتحقق أخطر نتائج السيطرة على الزمن.

فالسيطرة على الأرض قد تفرض واقعًا سياسيًا.

أما السيطرة على الزمن فتفرض واقعًا نفسيًا وحضاريًا.

إنها لا تحتل المكان فقط.

إنها تحتل المستقبل.

وربما لهذا السبب تبدو هذه الجريمة غير مرئية للعالم.

فالصور تلتقط الدمار.

والكاميرات توثق الحروب.

والتقارير ترصد الخسائر المادية.

لكن من يوثق السنوات التي تضيع من أعمار الناس؟

من يحصي عدد الأحلام التي وصلت متأخرة؟

من يسجل عدد الفرص التي ماتت في الانتظار؟

ومن يحسب عدد المشاريع التي لم تولد أصلًا لأن أصحابها استنزفوا قبل أن يبدأوا؟

إن التاريخ مليء باحتلالات استولت على الأرض.

لكن القليل من الاحتلالات حاولت إدارة الزمن نفسه.

وهنا تكمن خطورة التجربة الفلسطينية.

فالقضية لم تعد فقط قضية أرض محتلة.

ولا قضية حدود.

ولا قضية سيادة.

إنها أيضًا قضية زمن مسروق.

وقضية مستقبل مؤجل.

وقضية أعمار تُستنزف بصمت بعيدًا عن عدسات الكاميرات.

ومع ذلك يواصل الفلسطيني مقاومته اليومية لهذا الشكل الخفي من الهيمنة.

كل متجر يفتح أبوابه صباحًا هو انتصار صغير على الانتظار.

كل طالب يصل إلى جامعته هو انتصار صغير على الاستنزاف.

كل مزارع يصل إلى أرضه هو استعادة لجزء من الزمن الذي يراد مصادرته.

وكل فلسطيني يصر على التخطيط للمستقبل في بيئة صُممت لإبقائه أسير الحاضر، يمارس فعل مقاومة حقيقيًا ربما لا يقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال الصمود.

لقد تعلم العالم أن الاحتلال قد يسرق الأرض.

لكن الفلسطيني يذكر العالم كل يوم بحقيقة أكثر قسوة:

أن الأرض يمكن أن تستعاد.

وأن المدن يمكن أن تعاد إعمارها.

وأن الأشجار يمكن أن تُزرع من جديد.

أما الدقيقة التي تُسرق من عمر الإنسان، فلا تستطيع قوة على الأرض أن تعيدها إليه.

ولهذا ربما لا تكون المأساة الفلسطينية الكبرى في الأرض التي فُقدت فقط.

بل في الحياة التي كان يمكن أن تُعاش فوق تلك الأرض ولم تُعش أبدًا.

Left Menu Icon
الرئيسية