تم النشر بتاريخ 23 يونيو, 2026
حافظ الشجيفي
تستدعي اللحظة السياسية الراهنة، بكل ما تحمله في طياتها من تعقيدات بالغة الحساسية والخطورة، الوقوف طويلا امام منصة التحليل الاستراتيجي الرصين القائم على التفكيك العلمي الدقيق للظواهر والاحداث، والابتعاد الكامل عن الانفعالات اللحظية او القراءات السطحية التي تعج بها ساحات النقاش العام، حيث تتبدى الضرورة الملحة لاخضاع المشهد اليمني بمختلف ابعاده وتشابكاته الاقليمية والدولية لميزان صارم، يزن الامور بمثاقيل القانون الدولي الحرفي، وحقائق الجغرافيا السياسية، وحسابات المصالح الاستراتيجية العليا للدول، بعيدا عن فرضيات غامضة يجري تسريبها وتداولها بشكل متواصل لغايات واضحة، ولا بد هنا من العودة الدقيقة الي المرتكز الاساسي والنقطة الجوهرية التي انطلق منها التدخل العسكري للمملكة العربية السعودية في اليمن، والمتمثل قانونا في القرار الاممي الصادر عن مجلس الامن الدولي، الذي حدد بشكل قاطع لا لبس فيه طبيعة المهمة الموكلة الي التحالف العربي، والتي تنحصر فقط في مواجهة الجماعة الحوثية الانقلابية واعادة التمكين الكامل لمؤسسات الشرعية في العاصمة صنعاء وانهاء مظاهر الانقلاب كافة، وهي مهمة تكتسب مشروعيتها وقانونيتها الحصرية من هذا التفويض الدولي الصارم، الذي يجعل المملكة ملتزمة ادبيا وقانونيا وسياسيا بتنفيذ بنوده بحذافيرها، دون اي انحراف عن غاياته الاصيلة، او مواجهة الحقائق باعلان الفشل والانسحاب الكامل من اليمن وترك الامر برمته لهيئة الامم المتحدة لتتحمل مسؤولياتها التاريخية تجاهها، ومن ثم فانه لا يمكن من منظور القانون الدولي الثابت، او القواعد الدبلوماسية المستقرة، ان تمتلك الرياض الحق في تجاوز هذا التفويض الدولي عبر ابرام تفاهمات منفردة مع الحوثيين، او توقيع اتفاقات سياسية ثنائية مع الطرف الانقلابي، خارج مظلة المرجعيات الدولية والقرارات الاممية المعتمدة، كما لا يمكن لها بحكم المنطق السياسي السليم ان تنصب نفسها وصية مطلقة على القرار اليمني السيادي، او تمضي في مسارات تفاوضية تناقض جوهر الالتزامات التي تعهدت بها امام المجتمع الدولي بأسره.
ويمتد هذا المنع القانوني والسياسي الصارم ليشمل ابسط اشكال التعاطي الدبلوماسي الذي يمنح الجماعة الانقلابية شرعية الوجود او البقاء، اذ تشير القراءة المتعمقة لطبيعة التوازنات الدولية والاقليمية الي انه لا يجوز للسعودية ان تقوم بتوقيع اي اتفاق، حتى وان كان معزولا عن الشان اليمني المباشر، طالما انه يمنح طرفا متمردا اعترافا ضمنيا من دولة بحجم المملكة، فاذا كانت القواعد الناظمة والارادة الدولية الصارمة تمنع الرياض من اضفاء الشرعية على وجود الحوثي في صنعاء وحدها فقط، او صياغة تسوية تضمن له الاستمرار كقوة حاكمة في الشمال، فكيف يستقيم في عقل عاقل ان تمتلك القدرة والارادة على توقيع اتفاق يؤول بموجبه الجنوب، بكامل جغرافيته وتاريخه ومقدراته الجيوسياسية، الي سيطرة ذات الجماعة الانقلابية، وهو امر لا يملكه مجلس الامن الدولي نفسه، فكيف لطرف اقليمي، مهما بلغت قوته ونفوذه، ان ينفرد بصناعة واقع سياسي وجغرافي مشوه يخالف القوانين والمواثيق الدولية المستقرة، ويقفز فوق ارادة الشعوب وتضحياتها، مستبدلا الشرعية الدولية بحالة من الفوضى السياسية العارمة التي لن يحصد منها العالم سوى انهيار منظومة الامن الاستراتيجي في واحدة من اهم المناطق الحيوية في العالم المعاصر.
ويقودنا الافتراض الجدلي، تماشيا مع الاطروحات التي تروج لوجود اتفاقات سرية جرت صياغتها بعيدا عن الاضواء بين السعودية والحوثي عبر وسيط اقليمي ثالث، الي التساؤل الجوهري حول ماهية الضمانات الحقيقية التي يمكن ان تجنيها الرياض من جماعة ديدنها التاريخي هو الانقلاب على العهود، ونقض المواثيق عند اول منعطف للمصالح، اذ ان ارشيف الحركة الحوثية مليء بالشواهد الحية التي تثبت عدم التزامها باي اتفاق محلي او اقليمي، فما الذي يمنعها من الانقلاب على السعودية نفسها بعد ان يبسط نفوذه على الشمال والجنوب معا، وتصبح لديه مقدرات دولة كاملة تطل على بحرين ومضيق بحري حيوي، وما الذي يضمن للسعودية ان لا ينقلب عليها الحوثي لاحقا فالاوهام التي يجري تسويقها حول تفاهمات ثنائية او ثلاثية تجمع الرياض ومسقط وصنعاء، لا يمكن ان توفر شبكة امان حقيقية للامن القومي السعودي، بل ان المخاطر الكامنة في مثل هذه السيناريوهات تتجاوز الابعاد العسكرية والامنية والاقتصادية التقليدية، لتمس جوهر التناقض الايديولوجي والمذهبي الذي تمثله هذه الجماعة، والذي يشكل تهديدا مباشرا وعميقا للاستقرار الاقليمي، مما يجعل من فكرة تمكينها او القبول بتمددها انتحارا سياسيا واستراتيجيا لا يمكن لصانع القرار في المملكة ان يسقط فيه، مهما بلغت الضغوط او تعقدت مسارات الحرب الحالية.
وهذا للتحليل المتسلسل ينقلنا بشكل تلقائي الي البحث عن المصلحة الاستراتيجية الحقيقية للمملكة العربية السعودية، ومحاولة تحديد الطرف القادر على توفير الامن المستدام والاستقرار الحقيقي للحدود الجنوبية للمملكة، وهنا تتضح المقارنة الحتمية بين واقعين خياراتهما واضحة، حيث يقف ابناء الجنوب وقواتهم الحية كحليف طبيعي واصيل، اثبتت الوقائع الميدانية والتاريخية صدقه وقدرته على حماية ارضه ومواجهة التمدد الايديولوجي الغريب عن المنطقة، مما يجعل المصلحة السعودية العليا تلتقي تماما مع التطلعات الجنوبية المشروعة، وتتناقض كليا مع فكرة قصف واضعاف القوات الجنوبية في مناطق استراتيجية مثل حضرموت والمهرة تحت ذرائع واهية تتعلق بالامن القومي للسعودية، وهو سلوك ان حدث فانه يمثل استبدالا للامان التاريخي بخطر داهم ومتجدد، فالجنوبيون يمثلون صمام الامان الحقيقي الف مرة مقارنة بجماعة متمردة ترتبط باجندات اقليمية توسعية، مما يجعل صياغة تحالف استراتيجي معلن مع الجنوبيين هو الخيار المنطقي الوحيد الذي ينسجم مع المصلحة الحيوية للرياض، ويلبي شروط الاستقرار الدائم في المنطقة برمتها.
ويتعاظم التساول السياسي حول الاسباب التي قد تمنع مضي الرياض في مسار يدعم استقلال الجنوب، وهو مسار لا يتقاطع ابدا مع جوهر القرارات الدولية، بل يمثل في حقيقته الاداة الاكثر فاعلية لكسر المشروع الحوثي واضعافه حتي التلاشي الكامل، ففصل الجنوب جغرافيا وسياسيا سوف يحرم الانقلابيين من شريان حياة مالي وبشري واستراتيجي، ويحاصرهم في بيئة مغلقة عاجزة عن التمدد، مما يؤكد ان التخرصات التي تتحدث عن تسليم الجنوب للحوثي تقع في منطقة الخيال السياسي البعيد عن الواقعية، وتجافي ابسط مبادئ القراءة السوية للاحداث، فالواقع والمنطق وقوانين الجغرافيا تؤكد مجتمعة ان التفاهمات المسربة لا تعدو كونها مناورات اعلامية لا تجد لها مكانا في حسابات الدول الكبرى، ولا يمكن لعقل سياسي وازن ان يقبل بوجودها او يتعامل معها كحقيقة قائمة، فالارادة الوطنية والوعي الجمعي يظلان الصخرة التي تتحطم عليها كل المشاريع الهادفة لتزييف الحقائق التاريخية او القفز فوق تضحيات الشعوب.
مركز مسارات للإستراتيجيا و الإعلام موقع اخباري متنوع