تم النشر بتاريخ 9 يونيو, 2026
بقلم: محمد الشعبي
منذ تحرير عدن والمحافظات المحررة عام 2015م، كان الأمل كبيراً بأن تشهد هذه المناطق مرحلة جديدة من الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحسين الخدمات الأساسية ومعالجة الأوضاع المعيشية الصعبة التي عانى منها المواطنون لسنوات. إلا أن ما يعيشه المواطن اليوم يدفع إلى التساؤل بمرارة: ماذا تحقق فعلياً على أرض الواقع بعد أكثر من عقد من الزمن؟
فالكهرباء لا تزال تمثل معاناة يومية لمئات الآلاف من الأسر، والانقطاعات الطويلة أصبحت جزءاً من حياة الناس في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتدهور الأوضاع المعيشية. والمياه ما زالت غير متوفرة بصورة منتظمة في كثير من المناطق، بينما يواجه المواطن أعباء إضافية للحصول على أبسط الخدمات الأساسية.
أما التعليم والصحة، وهما من أهم ركائز بناء الدولة، فما زالا يواجهان تحديات كبيرة أثرت بشكل مباشر على حياة المواطنين ومستقبل الأجيال. وفي الجانب الاقتصادي، تتآكل القدرة الشرائية للمواطن بصورة مستمرة، وتتراجع قيمة الدخل أمام ارتفاع الأسعار وتدهور العملة، في وقت أصبحت فيه الحياة اليومية أكثر صعوبة وتعقيداً.
المؤلم أن سنوات طويلة مضت دون أن يلمس المواطن تحسناً حقيقياً يتناسب مع حجم الموارد والإمكانات المتاحة، ودون أن يرى مشاريع استراتيجية وتنموية قادرة على إحداث تغيير ملموس في مستوى الخدمات أو تحسين مستوى المعيشة.
إن انهيار مؤسسات الدولة وضعف الرقابة والمساءلة يشكلان البيئة المثالية لتنامي الفساد واتساع نطاقه. فكلما ضعفت مؤسسات الرقابة والمحاسبة، تزايدت فرص العبث بالمال العام وتراجعت كفاءة الإدارة، وتحولت الموارد المحدودة إلى ضحية للهدر وسوء الإدارة. وعندما يغيب مبدأ الثواب والعقاب، وتتعطل المساءلة، يصبح الفساد أكثر قدرة على التغلغل في مؤسسات الدولة، وتصبح معاناة المواطنين هي الثمن المباشر لذلك.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس فقط نقص الموارد، بل غياب الإدارة الرشيدة وضعف المساءلة وتراجع هيبة القانون. فالدول قد تتجاوز الأزمات الاقتصادية، لكنها لا تستطيع النهوض في ظل استمرار الفساد دون رقابة أو محاسبة، أو في ظل مؤسسات عاجزة عن تحويل الموارد والإمكانات إلى خدمات وإنجازات يشعر بها المواطن.
المواطن اليوم لا يبحث عن خطابات مطولة أو تصريحات إعلامية متكررة أو أخبار يومية تتحدث عن لقاءات واجتماعات وزيارات. ما يبحث عنه هو نتائج ملموسة يراها في منزله ومدرسته ومستشفاه وشارعه ومصدر دخله. يبحث عن كهرباء مستقرة، ومياه متوفرة، وتعليم أفضل، وخدمات صحية لائقة، واقتصاد يوفر له حياة كريمة.
لقد آن الأوان لأن تتحول المناصب العامة إلى مسؤولية حقيقية أمام الشعب والتاريخ، وأن يكون معيار النجاح هو ما يتحقق من إنجازات على أرض الواقع، لا عدد الاجتماعات والبيانات والصور الإعلامية.
فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، ولا تتقدم بالمجاملات، ولا تُدار بالوعود. الأوطان تُبنى بالعمل الجاد، والشفافية، وسيادة القانون، وحماية المال العام، والمحاسبة العادلة لكل من يسيء استخدام السلطة أو يهدر موارد الدولة.
ويبقى السؤال الذي يطرحه ملايين المواطنين كل يوم: متى تصبح معاناة الناس أولوية حقيقية؟ ومتى تتحول الوعود إلى مشاريع وإنجازات يشعر بها المواطن في حياته اليومية؟
إن الشعوب لا تقيس نجاح الحكومات بعدد الاجتماعات التي تعقدها، ولا بحجم التصريحات التي تصدرها، ولا بكثرة الظهور الإعلامي لمسؤوليها، وإنما بما ينعكس على حياتها من خدمات وأمن واستقرار وتنمية وعدالة.
فالتاريخ لا يخلّد أصحاب المناصب، بل يخلّد أصحاب الإنجازات. ولا يتذكر من اكتفوا بإدارة الأزمات، بل يتذكر من امتلكوا الإرادة لبناء المؤسسات، وحماية المال العام، ومكافحة الفساد، وتخفيف معاناة المواطنين. فالمناصب زائلة، أما ما يُقدَّم للوطن وللناس فيبقى شاهداً أمام الأجيال، يسجل من خدم وطنه بإخلاص، ومن أهدر الفرص وترك المواطنين يواجهون أعباء الحياة وحدهم.
مركز مسارات للإستراتيجيا و الإعلام موقع اخباري متنوع