تم النشر بتاريخ 6 يونيو, 2026
حافظ الشجيفي
تبصر العيون المحزونة في ليل عدن البهيم فلا ترى الا سوادا يتربص بالأنفس، ويأخذ بالأنفاس في هجير القيظ، كأنما تحولت المدينة الباسلة، بثغرها الباسم وتاريخها الضارب في عمق المجد الإنساني والجنوبي، إلى ساحة لعقاب جماعي معتم، يدار بحسابات باردة لا تقيم وزنا لآهات الشيوخ العجز، ولا لصرخات الأطفال الذين يتلوون من لهيب الصيف الحارق، ومن هنا، من قلب هذه المعاناة الطويلة التي لم تعد تحتمل الصمت أو المواربة، أستدعي معكم فصلا صريحا كنا قد سطرناه قبل قرابة العامين، يوم أن طرحنا على طاولة القائمين على مؤسسة كهرباء عدن حلا استراتيجيا دقيقا، ومقترحا عمليا متكاملا، يتوخى انتشال العاصمة من هذه الدوامة المهلكة، ويضع حدا فاصلا للذرائع الواهية والممجوجة التي تتستر خلف نقص الوقود وشح الموارد، بينما الحقيقة الماثلة للعيان تكشف عن خلل بنيوي، وإرادة غائبة، ونوايا مبطنة تسعى جاهدة لإغراق هذه الأرض في لجج الإحباط والانكسار والظلام الدامس.
اذ يتلخص ذلك المقترح الذي قدمناه بدافع المسؤولية الوطنية والأخلاقية والاحساس بمعاناة الناس، في ضرورة تخلّي المؤسسة عن برنامجها العتيق والمتخبط في إدارة الطاقة، والذي يعتمد على آلية توزيع مجحفة وقائمة على المحاصصة الضيقة والتناوب العشوائي بين خطوط الأحياء السكنية المتفرقة داخل المديرية الواحدة، إذ يمثل هذا النهج قمة العبث الإداري والفني، ودعونا بكل وضوح إلى إحلال نظام بديل ومرن يقوم على التقسيم الجغرافي الشامل للمديريات الثمان، بحيث يضمن هذا التحول الذكي والمدروس تخفيف وطأة المعاناة اليومية عن كاهل المواطن الجنوبي الصابر، ويوفر في ذات الوقت مبالغ طائلة من نفقات التشغيل والصيانة والهدر الفني الذي تبتلعه الشبكة المتهالكة جراء التناوب العشوائي المستمر للتيار.
حيث تصر المؤسسة، بآليتها الحالية المعقدة والمثيرة للريبة، على حرمان الناس من النور والتهوية لفترات طويلة ومجحفة تتجاوز في كثير من الأيام ثماني ساعات متواصلة من الطحن والإنهاك الجسدي والنفسي، مقابل ساعتين يتيمتين من التيار المتعثر، وهو وضع مقلوب يتنافى مع أبسط قواعد العدالة الإنسانية والمنطق الإداري، ويحمل في ثناياه دلالات صارخة على الفشل التشغيلي المطبق الذي يحول حياة سكان عدن إلى جحيم لا يطاق، ويثبت بالبرهان القاطع أن الاستمرار في هذه الممارسة العشوائية يعد جريمة صامتة ترتكب بحق شعب بأكمله، لا سيما حين تتوفر الحلول والمخارج العلمية والعملية ويتم تجاهلها عن عمد وإصرار.
حيث يقوم نظام المديريات المقترح، البديل والمنصف الذي طرحناه، على تقسيم العاصمة عدن إلى كتلتين متوازنتين، تضم كل كتلة منهما أربع مديريات متجانسة من المديريات الثمان، بحيث يتدفق التيار الكهربائي إلى الكتلة الأولى بكامل مديرياتها الأربع دفعة واحدة وبشكل متواصل لمدد زمنية معقولة ومتساوية، كأن تكون ساعتين أو ثلاثا أو أربعا، بالتزامن المطلق مع قطعه عن الكتلة الثانية لنفس المدة، ثم تتبادل المجموعتان الأدوار والمواقع بانتظام ودقة طوال ساعات الليل والنهار، الأمر الذي من شأنه أن يقلص فترات الانقطاع الطويلة والقاتلة التي يعاني منها الحي الواحد حاليا، ويمنح الأسر فرصة حقيقية لالتقاط الأنفاس، وتنظيم حياتهم اليومية، والتخلص من شبح الثماني ساعات العجاف التي تلتهم قواهم وصحتهم ومدخراتهم.
وهذه الرؤية الهندسية والإدارية المتكاملة تنطوي على فوائد اقتصادية جمة ومباشرة للمؤسسة نفسها، حيث يسهم الانتقال التلقائي إلى نظام المديريات الموحد في تبسيط وتسهيل عمليات التحكم والمراقبة الفنية، ويقلل إلى أدنى حد ممكن من عمليات الفصل والوصل اليدوي والميكانيكي المتكرر على مستوى المفاتيح الفرعية في الأحياء، وهو التكرار الضار الذي يتسبب بتلف المحولات، ويسرع من وتيرة إهلاك الشبكة العامة، ويرفع من كلفة الصيانة التشغيلية، وبذلك يحقق هذا النظام وفرا ماليا وفنيا معتبرا يمكن الاستفادة منه في تحسين القدرة التوليدية للمحطات بدلا من تبديده في معالجة الأعطال الناتجة عن سوء الإدارة والتوزيع.
الا ان هذا النطام المنقذ يواجه برغم كل ما يحمله من كفاءة وجدوى وبراهين ساطعة، بحالة من البرود والتقاعس والرفض غير المعلن من قبل القائمين على ملف الطاقة في مؤسسة كهرباء عدن، مما يعزز القناعة الراسخة لدى الشارع الجنوبي الواعي بأن هذه الأزمة ليست وليدة الصدفة، ولا هي نتاج محض لأعطال فنية أو نقص في إمدادات الديزل والمازوت،او ناتج عن الاحمال بل هي أزمة مفتعلة وممنهجة تدار بأدوات سياسية خبيثة، تهدف بالدرجة الأولى إلى التنكيل بالشعب الجنوبي الصامد، ومعاقبته على خياراته وثوابته الوطنية، ومحاولة تركيعه وإشغاله بلقمة عيشه وجرعة مائه ونسمة هوائه، وتجعلنا هذه السلوكيات نضع علامات استفهام كبرى وعميقة حول حقيقة الولاء الوطني لهذه المؤسسات، ومدى التزامها المهني والأخلاقي بالحد الأدنى من واجباتها تجاه المواطنين.
واليوم نجدد ، وبأعلى صوت لغوي وسياسي ، دعوتنا الصادقة والملحة لمؤسسة كهرباء عدن بوجوب مغادرة هذا المربع العقيم، والإسراع الفوري في تبني نظام المديريات المقترح، والإقلاع النهائي عن هذه الممارسات البالية والمجحفة التي تجاوزها الزمن ولم تعد تنتج إلا الويلات والكوارث، فالواجب الديني والإنساني والوطني يفرض بصرامة أن تصبح كرامة ورفاهية وحياة مواطني العاصمة عدن هي القيمة العليا والأولوية المطلقة التي تسخر لأجلها كافة الإمكانيات، بعيدا عن الحسابات والمناكفات الضيقة التي تحرق بنارها الأبرياء، وتدمر السلم الاجتماعي، وتستنزف صيرورة الحياة في هذه المدينة الحرة الصابرة.
مركز مسارات للإستراتيجيا و الإعلام موقع اخباري متنوع