حين يخاف المسؤول من المديح أكثر من النقد

تم النشر بتاريخ 6 يونيو, 2026

د.فيروز الولي

في بلادنا، أصبح النقد جريمة غير مكتملة الأركان. فإذا كتبت عن فساد مسؤول قال إنك حاقد، وإذا تحدثت عن فشل مؤسسة قالوا إنك تستهدف الوطن، وإذا طالبت بالإصلاح اتهموك بأنك تعمل لصالح جهة ما، وكأن الوطن شركة خاصة مسجلة باسم مجموعة من المنتفعين.

لكن المفارقة الجميلة أن بعض المسؤولين الذين توقعت غضبهم كانوا أكثر هدوءاً وعقلانية من جيوش المصفقين المحيطين بهم.

تواصل معي أحدهم بعد مقال نقدي تناول أداء جهة يشرف عليها. توقعت معركة كلامية، أو بيان استنكار، أو على الأقل قائمة اتهامات جاهزة بالخيانة والعمالة والحسد وقلة الأدب السياسية التي أصبحت جزءاً من التراث الإداري العربي.

لكن الرجل فاجأني.

قال بهدوء: “معظم ما كتبته صحيح.”

توقفت للحظة لأتأكد أن الاتصال لم ينقطع أو أنني لم أسمع جيداً.

ثم أضاف: “النقد الصادق يساعدنا أكثر من عشرات التقارير المزيفة.”

هنا فقط أدركت أن المشكلة ليست دائماً في المسؤول، بل أحياناً في البيئة التي تحيط به. فهناك جيش كامل من محترفي التلميع يعيش على إقناع المسؤول بأنه عبقري زمانه، وأن الشمس تشرق بإذن منه، وأن القمر لا يظهر إلا بعد موافقته الخطية.

في اليمن، وفي كثير من البلدان المنهكة، تحولت بعض المناصب إلى جزر معزولة عن الواقع. المسؤول يسمع التصفيق أكثر مما يسمع أنين الناس. يرى التقارير الوردية أكثر مما يرى طوابير الفقر. ويقرأ عبارات الثناء أكثر مما يقرأ شكاوى المواطنين.

ولهذا يصبح النقد الصادق أشبه بجرعة دواء مرة في زمن الإدمان على المديح.

المؤسف أن بعض المسؤولين لا يغضبون من الفساد، بل يغضبون ممن يتحدث عنه. لا ينزعجون من الخطأ، بل من كشف الخطأ. وكأن المشكلة ليست في الحفرة الموجودة وسط الطريق، بل في المواطن الذي أشار إليها.

أما المسؤول الذي يستطيع أن يقول: “نعم، هناك خطأ”، فهو يختصر نصف طريق الإصلاح. لأن الاعتراف بالمشكلة بداية الحل، بينما إنكارها بداية الكارثة.

الدول لا تنهض بكثرة المادحين، بل بكثرة من يملكون شجاعة قول الحقيقة. فالمنافق يخدم المسؤول يوماً، لكنه يدمر المؤسسة سنوات. أما الناقد الصادق فقد يزعجك لدقائق، لكنه يحميك من أخطاء قد تكلف وطناً بأكمله.

اليوم لم يعد اليمن بحاجة إلى خطباء أكثر، ولا إلى شعارات جديدة، ولا إلى مهرجانات لتبادل المديح بين المسؤولين. ما يحتاجه هو مسؤول يمتلك شجاعة الاستماع، ومواطن يمتلك شجاعة الكلام، ومؤسسات تفهم أن النقد ليس إعلان حرب، بل محاولة إنقاذ.

فحين يصبح الناقد عدواً، تتحول الدولة إلى مسرح كبير للتصفيق.

وحين يصبح النقد شريكاً في الإصلاح، تبدأ الدولة أخيراً في الاستماع إلى نفسها.

وربما لهذا السبب ما زلت أؤمن أن الأمل موجود. ليس لأن الأوضاع جيدة، بل لأن هناك قلة من المسؤولين ما زالوا يمتلكون فضيلة نادرة في زمن الضجيج: القدرة على سماع الحقيقة دون أن يشعروا بالإهانة.

وهؤلاء وحدهم يستحقون أن يقودوا المرحلة القادمة، لأن من يتقبل النقد اليوم، قد يكون قادراً على إصلاح الوطن غداً.

Left Menu Icon
الرئيسية