الحوار الوطني اليمني: من مشروع بناء الدولة إلى مزاد توزيع النفوذ

تم النشر بتاريخ 2 يونيو, 2026

د فيروز الولي

عندما انطلقت جلسات الحوار الوطني في اليمن عام 2013، قُدمت للشعب بوصفها البوابة الكبرى نحو الدولة الحديثة، والمخرج التاريخي من أزمات عقود طويلة من الفساد والصراعات والاحتقان السياسي. قيل لليمنيين إن المستقبل يُصنع داخل القاعات المكيفة، وإن الدولة الجديدة تُرسم على الطاولات المستديرة. لكن بعد أكثر من عقد، يبدو أن السؤال الأكثر إلحاحاً لم يعد: ماذا أنجز الحوار؟ بل: كيف انتهى اليمن من مؤتمر لبناء الدولة إلى حرب مزقت الدولة نفسها؟
الحقيقة المؤلمة أن اليمن لم يكن بحاجة إلى حفلة سياسية طويلة بقدر حاجته إلى مشروع إنقاذ وطني حقيقي. كان المواطن يبحث عن دولة تحميه، ومدرسة تعلم أبناءه، ومستشفى يعالجه، ووظيفة تحفظ كرامته. لكنه وجد نفسه أمام نخبة تتجادل حول الأقاليم والدساتير وتقاسم الصلاحيات بينما كانت الكهرباء تنطفئ، والبطالة تتوسع، والفقر يلتهم البيوت.
سياسياً، جاءت المبادرة الخليجية باعتبارها مخرجاً من أزمة خطيرة كادت تدفع البلاد إلى مواجهة شاملة. غير أن كثيراً من منتقديها يرون أنها نجحت في نقل السلطة أكثر مما نجحت في بناء الدولة. فبدلاً من الإجابة عن سؤال: كيف نؤسس دولة حديثة؟ انشغل الجميع بسؤال آخر: من سيرث السلطة؟ ومن سيحصل على الحصة الأكبر من الكعكة؟
تحولت الدولة إلى غنيمة مؤجلة، وتحول الحوار إلى ما يشبه اجتماع مساهمين يتفاوضون على توزيع الأسهم قبل أن يتأكدوا أصلاً من وجود الشركة.
اجتماعياً، كان المشهد أقرب إلى مسرح عبثي. داخل القاعات تدور نقاشات فلسفية عن مستقبل اليمن لعقود قادمة، وخارجها كان المواطن يبحث عن أسطوانة غاز أو ساعات قليلة من الكهرباء. كانت النخب تناقش شكل الدولة الفيدرالية بينما المواطن يناقش شكل الرغيف الذي أصبح أصغر كل يوم.
لم يشعر الفلاح في القرية ولا العامل في المدينة أن معاناته كانت البند الأول على جدول الأعمال. بدا وكأن الشعب يشاهد مباراة لا يشارك فيها، لكنه سيدفع ثمن تذاكرها كلها.
ثقافياً، كشف الحوار الوطني عن أزمة هوية وطنية عميقة أكثر مما قدم حلولاً لها. فبدلاً من تعزيز مفهوم المواطنة المتساوية، عادت العصبيات المناطقية والمذهبية والحزبية لتفرض حضورها. وأصبح السؤال لدى البعض: من أين أنت؟ أهم من السؤال: ماذا تستطيع أن تقدم لوطنك؟
كان الجميع يتحدث عن الدولة المدنية، لكن كثيرين كانوا يفكرون بعقلية القبيلة أو الطائفة أو الحزب.
اقتصادياً، ظهر ملف الثروة كقنبلة موقوتة. اليمن الذي يعاني أصلاً من الفساد وسوء الإدارة وضعف الموارد وجد نفسه أمام نقاشات حول توزيع الموارد بين الأقاليم. وبدلاً من البحث عن كيفية خلق الثروة، انشغل الجميع بكيفية تقسيمها.
كان المشهد أشبه بمجموعة أشخاص يتشاجرون على تقسيم محصول مزرعة لم تُزرع بعد.
جغرافياً، أثار مشروع الأقاليم جدلاً واسعاً لأن الجغرافيا اليمنية ليست خطوطاً على الخرائط فقط، بل تاريخاً واقتصاداً ومصالح اجتماعية متشابكة. ولهذا خشي كثيرون من أن يتحول التقسيم إلى مصدر جديد للصراع بدلاً من أن يكون أداة للحل.
فالخرائط قد تُرسم بالحبر، لكن آثارها تُكتب أحياناً بالدم.
أمنياً وعسكرياً، كانت الدولة تعاني أصلاً من انقسام مراكز القوة داخل الجيش والأجهزة الأمنية. وبينما كانت اللجان تكتب التوصيات، كانت القوى المسلحة تعيد ترتيب مواقعها على الأرض. كانت الوثائق تتحرك ببطء داخل القاعات، بينما كانت البنادق تتحرك بسرعة خارجها.
وفي الدول الهشة غالباً ما تكون فوهة البندقية أسرع تأثيراً من ألف صفحة من المخرجات السياسية.
ومن هنا جاءت واحدة من أكبر مفارقات المرحلة. ففي الوقت الذي كان الجميع يحتفل بمستقبل الدولة، كانت الدولة نفسها تتآكل تدريجياً. وساهمت حالة الاستقطاب السياسي والتذمر الشعبي وضعف المؤسسات في خلق بيئة استفادت منها جماعة الحوثيين للتوسع واستقطاب مؤيدين جدد، مستفيدة من أخطاء خصومها ومن هشاشة الدولة. لكن اختزال ما جرى في هذا العامل وحده سيكون تبسيطاً مفرطاً، لأن المشهد كان أكثر تعقيداً وتشابكاً مع عوامل إقليمية وعسكرية واقتصادية متعددة.
دبلوماسياً، انتقلت القضية اليمنية تدريجياً من شأن وطني إلى ملف إقليمي ثم دولي. وكلما ازداد عدد الوسطاء، تقلصت مساحة القرار الوطني المستقل. وأصبح اليمن أشبه بطاولة مستديرة يجلس حولها الجميع إلا صاحب البيت.
كانت العواصم الإقليمية والدولية تتحدث كثيراً عن مصلحة اليمن، بينما كان اليمنيون عاجزين عن الاتفاق على تعريف موحد لتلك المصلحة.
لوجستياً، اصطدمت الأحلام الكبيرة بواقع المؤسسات الضعيفة. فإعادة هيكلة الدولة والجيش والإدارة والاقتصاد تحتاج إلى مؤسسات قوية وتمويل مستدام واستقرار سياسي. لكن اليمن كان يفتقد معظم هذه العناصر.
وكانت النتيجة أشبه بمن يضع مخططاً لبناء ناطحة سحاب فوق أرض متصدعة.
إعلامياً، لعب الإعلام الحزبي دوراً لا يقل خطورة عن دور السياسة نفسها. كل طرف قدّم الحوار باعتباره انتصاراً لمشروعه الخاص، لا مشروعاً وطنياً جامعاً. وتحولت القنوات والصحف ومنصات التواصل إلى ساحات حرب موازية، تُدار فيها المعارك بالكلمات والشعارات قبل أن تُدار بالمدافع.
فبدلاً من صناعة رأي عام وطني، ساهم كثير من الإعلام في صناعة جماهير متقابلة تتقن الهتاف أكثر مما تتقن التفكير.
قانونياً ودستورياً، حاول الحوار صياغة عقد اجتماعي جديد لليمنيين. لكن المشكلة لم تكن في النصوص فقط، بل في الإرادة السياسية اللازمة لتنفيذها. فالدساتير لا تحمي الدول إذا كانت القوى السياسية لا تؤمن بها، والقوانين لا تصنع الاستقرار إذا كان السلاح أقوى من الدولة.
فكم من دستور رائع سقط تحت أقدام المتصارعين، وكم من اتفاق بسيط نجح لأن أطرافه امتلكوا إرادة حقيقية للتنفيذ.
وبعد أكثر من عشر سنوات، ما زال السؤال قائماً: هل فشل الحوار لأنه كان مشروعاً ناقصاً؟ أم لأنه وُلد في بيئة منهكة بالصراعات والمصالح المتضاربة؟
ربما تكون الإجابة الأقرب للواقع أن اليمن لم يكن يعاني من أزمة سلطة فقط، بل من أزمة دولة كاملة. وعندما تكون الدولة نفسها موضع خلاف، يصبح الاتفاق على شكلها أصعب بكثير من الاتفاق على أسماء من سيديرونها.
لقد دخل اليمن قاعات الحوار بحثاً عن المستقبل، لكنه خرج إلى واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخه الحديث. وبين الحلم بالدولة والواقع الذي فرضته الصراعات، بقي المواطن اليمني هو الخاسر الأكبر والطرف الوحيد الذي دفع الفاتورة كاملة.
أما النخب، فقد غادرت القاعات حاملة ملفاتها ومكاسبها وخلافاتها، بينما بقي المواطن يحمل همومه نفسها، بل وأكثر. وكأن الحوار الوطني انتهى إلى النتيجة الساخرة التالية: الجميع تحدث باسم الشعب، لكن أحداً لم يسأل الشعب ماذا يريد.
وحتى اليوم، ما زال اليمنيون ينتظرون مشروعاً وطنياً حقيقياً لا يبدأ بتقسيم النفوذ، بل ببناء الدولة، ولا ينطلق من مصالح الأحزاب والمحاور، بل من مصالح الناس. لأن الأوطان لا تُبنى بالحصص، ولا تُدار بالمساومات، ولا تُنقذها المؤتمرات وحدها، بل تنقذها الإرادة الوطنية عندما تصبح مصلحة الوطن أعلى من مصلحة الجميع.

Left Menu Icon
الرئيسية