اليمن… دولة تملك كل شيء إلا الإدارة

تم النشر بتاريخ 28 مايو, 2026

د.فيروز الولي

في اليمن، لا تحتاج أن تكون عبقرياً لتصبح مسؤولاً كبيراً…
يكفي أن تحفظ ثلاث جمل صالحة لكل الأزمنة والانهيارات:
“المرحلة استثنائية”
“الظروف صعبة”
“المؤامرة مستمرة”
ثم ترتدي بدلة رسمية، وتطل على الشاشة لتتحدث عن “صمود الشعب العظيم”… بينما ذلك الشعب نفسه يصمد يومياً أمام سعر كيس الدقيق، وانقطاع الكهرباء، وطوابير الغاز التي تحولت إلى طقس وطني ثابت.
اليمن اليوم ليست دولة فقيرة كما يصفها محترفو الخطابات في المؤتمرات الدولية…
بل دولة غنية، لدرجة أن الجميع استفاد من ثرواتها… إلا المواطن.
بلد يمتلك النفط والغاز والذهب والأسماك والموانئ والجزر والزراعة والسياحة، وموقعاً جغرافياً تتصارع عليه القوى الكبرى…
ومع ذلك، ما يزال المواطن يتعامل مع دبة الغاز وكأنه يبحث عن كنز مدفون.
أي مفارقة هذه؟
دول بنت من الصحراء مدناً تنافس العالم،
بينما نحن حوّلنا الثروات إلى طوابير، وسوق سوداء، وعملة تتسابق نحو الانهيار، وخطب وطنية لو تحولت إلى كهرباء لأضاءت المنطقة كلها.
المشكلة ليست في الموارد…
بل في طريقة إدارة الدولة.
في اليمن، لا يُسأل المسؤول: “ماذا أنجزت؟”
بل: “لمن تنتمي؟”
وهكذا تحولت الكفاءة إلى تهمة، والخبرة إلى خطر، وأصبح التعيين أشبه بتوزيع الولاءات: هذا قريب، وهذا تابع، وهذا مضمون، أما صاحب الكفاءة… فمكانه في الانتظار أو الهجرة.
والنتيجة واضحة:
مؤسسات مرهقة، خدمات منهارة، عملة تتآكل، ومواطن يعيش بين الطوابير والوعود.
حتى الموانئ، التي كان يمكن أن تكون شريان اقتصاد، تحولت في كثير من الأحيان إلى نقاط نفوذ ومراكز جباية وصراع.
أما الكهرباء، فبعد مليارات الصرف، ما تزال تظهر في بعض المدن كضيف لا يعرف مواعيد الزيارة.
الأحزاب بدورها تحولت إلى ما يشبه شركات بلا خدمة:
كل طرف يعلن أنه “مع المواطن”… لكن لا أحد يجد الشبكة.
يتحدثون عن الشرعية، بينما المواطن لم يعد يملك حتى “شرعية” شراء احتياجاته اليومية دون تقسيط.
ويتحدثون عن السيادة، بينما راتب الموظف يحتاج موافقة من عدة أطراف قبل أن يصل، وربما لا يصل.
ثم يأتيك من يقول بثقة: “اليمن تحتاج إلى معجزة.”
لا…
اليمن لا تحتاج معجزة.
اليمن تحتاج دولة تحترم عقل الناس.
دولة تدرك أن النفط ليس حساباً خاصاً، وأن الموانئ ليست غنائم، وأن الجمارك ليست موسماً مفتوحاً، وأن المساعدات لا يجب أن تضيع بين المطار والمواطن.
تحتاج قضاءً لا يُشترى، ورقابة لا تخاف، ومؤسسات تُدار بالكفاءة لا بالقرابة، وإدارة تضع الخبير في مكانه، لا المصفق.
أعطوا أي إدارة نزيهة خمس سنوات فقط…
وسيتحوّل المشهد بالكامل:
الموانئ إلى اقتصاد، الضرائب إلى خدمات، الثروات إلى مشاريع، والجزر إلى وجهات، والعملة من مادة يومية للسخرية إلى مؤشر استقرار.
اليمن ليست أقل من أحد…
لكن الفرق أن دولاً قررت بناء الإنسان، بينما ما زلنا نبني طبقات متراكمة من الفشل، ثم نطلب من المواطن أن يصفق باسم الوطنية.
الشعب لا يريد خطابات جديدة، ولا بيانات، ولا مواسم إضافية من تبادل الاتهامات.
يريد أشياء بسيطة جداً:
كهرباء لا تنقطع، راتباً لا يتبخر، قانوناً لا يُشترى، ودولة لا تعتبره مجرد خلفية في صورة المسؤول.
ولو خرج مسؤول اليوم وقال: “حاسبوني بعد خمس سنوات على كل ريال”…
فقد يظنه البعض مجنوناً.
لكن المفارقة أن الجنون الحقيقي هنا…
أصبح هو الصدق.

Left Menu Icon
الرئيسية