تم النشر بتاريخ 20 مايو, 2026
د فيروز الولي
كيف تحولت اليمن إلى شركة استثمارية خاسرة يديرها أثرياء الحرب من الفنادق؟
في الدول الطبيعية، يبحث المواطن عن وظيفة ليبني مستقبله.
أما في اليمن، فالمواطن يبحث عن وظيفة ليضمن “ربع راتب” قد يأتي أو لا يأتي، وقد يُصرف بعد طابور بصمة، أو يتحول إلى رسالة اعتذار حكومية طويلة تنتهي بعبارة:
“نعتذر لعدم توفر السيولة”.
وفي المقابل، وبينما الموظف يطارد حوالة مالية كأنه يطارد كنزاً فرعونياً، تكتشف أن عدد “رجال الأعمال اليمنيين” صار أكثر من عدد المشاريع نفسها، وأكثر من عدد الموظفين الذين ما زالوا يتقاضون رواتب منتظمة داخل البلد.
ثم يخرج علينا خبر أن دمشق احتضنت “اللقاء التعريفي الاستثماري الأول لرجال الأعمال اليمنيين”، لبحث فرص الشراكة الاقتصادية والاستثمارية بين اليمن وسوريا.
خبر جميل جداً… لدرجة أن المواطن اليمني كاد يسأل بدهشة:
“هل بقي في اليمن شيء لم يُستثمر فيه بعد؟”
لأن الحقيقة المؤلمة أن اليمن لم تعد دولة تبحث عن التنمية، بل تحولت إلى “مغارة علي بابا السياسية”.
الكل يدخل إليها حاملاً شعار الوطنية، ويخرج منها محملاً بالعقارات، والحسابات البنكية، وبدلات السفر، وصفقات الإعاشة، وذكريات الفنادق الفاخرة.
الشرعية تتحدث عن الاقتصاد من الخارج، بينما الداخل ينهار كجدار طيني في موسم أمطار.
مسؤولون يتحدثون عن “جذب المستثمرين”، في حين أن المواطن نفسه أصبح يفكر بالهجرة كأكبر مشروع استثماري ناجح.
أي استثمار هذا في بلد:
موظف يبيع أثاث منزله لينتظر راتباً ناقصاً؟
وجندي يقاتل بـ“علبة فاصوليا” وإعاشة منتهية الصلاحية؟
ومعلم يتحول من مربّي أجيال إلى سائق بالأجرة أو بائع قات؟
وطالب الجامعي يحلم بكهرباء أكثر مما يحلم بالشهادة؟
لكن المدهش أن طبقة جديدة ظهرت في اليمن خلال الحرب:
طبقة “أثرياء الخراب”.
أناس اكتشفوا أن الحرب ليست كارثة… بل موسم حصاد اقتصادي مفتوح.
فكلما انهارت الخدمات، ارتفعت العقود.
وكلما جاع الشعب، ازدهرت صفقات الإغاثة.
وكلما تأخرت الرواتب، امتلأت حسابات “المعنيين بالمعالجة”.
حتى اللغة السياسية أصبحت كوميديا سوداء.
فهم لا يقولون “نهب”، بل “إعادة تموضع اقتصادي”.
ولا يقولون “فساد”، بل “تحديات مالية”.
ولا يقولون “فشل”، بل “مرحلة انتقالية معقدة”.
وكأن المواطن اليمني مجرد فأر تجارب في مختبر دولي لإنتاج المصطلحات الفارغة.
الأسوأ أن اليمن اليوم تبدو كأنها بلد يعيش بنظامين مختلفين تماماً:
يمن الداخل:
شعب يبحث عن الغاز، والماء، والراتب، والدواء، والكهرباء.
ويمن الخارج:
وفود، مؤتمرات، استثمارات، فنادق، مؤتمرات مانحين، وتصريحات عن “التعافي الاقتصادي”.
الفارق بينهما يشبه الفرق بين صورة إعلان مطعم فاخر… وواقع مطبخ مليء بالدخان والفوضى.
والمفارقة الساخرة أن بعض المسؤولين يتحدثون عن “تشجيع القطاع الخاص”، بينما القطاع الوحيد الذي ازدهر فعلاً هو “قطاع الحرب”.
حرب لها تجارها، وسماسرتها، ومحللوها، ومقاولوها، وحتى شعراؤها.
في اليمن، لم تعد المشكلة فقط في الفقر…
بل في تحول الفقر نفسه إلى مشروع سياسي مربح.
ولهذا لم يعد المواطن يسأل: “متى ستنتهي الحرب؟”
بل صار يسأل بسخرية مرة: “هل يسمح أصحاب المصالح بانتهائها أصلاً؟”
لأن إنهاء الحرب يعني إغلاق أكبر شركة أرباح مفتوحة في المنطقة: شركة اسمها اليمن.
مركز مسارات للإستراتيجيا و الإعلام موقع اخباري متنوع