تم النشر بتاريخ 17 مايو, 2026
د .فيروز الولي
كيف تحوّل العقل العربي إلى “فلاش ميموري” ضخمة؟
في بلادنا العربية عمومًا، واليمن خصوصًا، لا تعاني المشكلة من قلة الكلام… بل من كثرة الكلام المحفوظ حتى التخمة.
كل شيء موجود:
الخطب موجودة.
الشعارات موجودة.
القصائد الوطنية موجودة.
الفتاوى موجودة.
الوعود موجودة.
حتى “الحلول الجذرية” موجودة منذ خمسين سنة… لكنها غالبًا محفوظة داخل الأدراج مثل كتب المدرسة بعد نهاية الامتحان.
نحن شعوب تستطيع أن تحفظ تاريخ المعارك كلها، لكنها أحيانًا تعجز عن معرفة لماذا ما زلنا نقاتل حتى اليوم.
نحفظ أسماء الثورات، والانقلابات، والاتفاقيات، والبيانات رقم واحد، لكننا لا نسأل السؤال البسيط والخطير:
إذا كانت كل هذه الثورات عظيمة… فلماذا المواطن ما زال يبحث عن كهرباء وماء وراتب وكرامة؟
المأساة أن “الحفظ” عندنا لم يعد مجرد أسلوب تعليم، بل تحوّل إلى نظام حياة كامل.
الطفل يدخل المدرسة فيُطلب منه أن يحفظ.
الشاب يدخل الجامعة فيُطلب منه أن يكرر.
الموظف يدخل المؤسسة فيُطلب منه ألا يسأل كثيرًا.
والمواطن عندما يكبر يكتشف أن حياته كلها كانت امتحان “اختر الإجابة الصحيحة”… بينما الواقع لا يعترف أصلًا بالإجابات الجاهزة.
في اليمن مثلًا، تستطيع أن تجد مسؤولًا يحفظ الدستور مادة مادة… لكنه لا يفهم لماذا المواطن يكره الدولة.
وقد تجد خطيبًا يحفظ آلاف النصوص والخطب، لكنه لا يعرف كيف يقنع شابًا جائعًا أن المستقبل ليس مزحة سوداء.
وتجد سياسيًا يتحدث عن “بناء الإنسان” وهو لا يستطيع بناء رصيف لا يغرق مع أول مطر.
الأطرف من ذلك أن بعض القيادات العربية تتعامل مع الشعوب كما يتعامل مدرس قديم مع تلاميذه:
“احفظوا… ولا تناقشوا.”
وكأن التفكير الحر مؤامرة خارجية، والسؤال جريمة أخلاقية، والشك في الأخطاء الوطنية خيانة عظمى.
ولهذا أصبحت الخطابات السياسية عندنا تشبه حصص التلقين القديمة:
جمل ضخمة، أصوات مرتفعة، حماس ناري… ثم يعود المواطن إلى بيته يبحث عن الغاز والإنترنت وعلبة الدواء.
المشهد الكوميدي المؤلم أن المسؤول العربي قد يحفظ نظريات التنمية اليابانية والكورية والصينية، لكنه عندما يعود إلى بلده يطبق نظرية:
“خلّ المواطن مشغول بالطوابير… حتى لا يفكر كثيرًا.”
نحن أمام أزمة عقل لا أزمة معلومات.
فالإنترنت اليوم مليء بالمعرفة، لكن المشكلة أن البعض يريد استخدامه كآلة نسخ فقط، لا كنافذة فهم.
الإنسان الذي يفهم قد يغيّر رأيه عندما يكتشف الحقيقة.
أما الإنسان الذي يعيش على الحفظ فقط، فيعتبر أي فكرة جديدة تهديدًا شخصيًا لذاكرته المقدسة.
ولهذا يخاف بعض الناس من السؤال أكثر مما يخافون من الفشل نفسه.
اسأل أي طفل عربي سؤالًا خارج الكتاب المدرسي، وستشاهد الارتباك في عينيه، كأنه ينتظر زر “تخطي الإعلان”.
لأننا ربّينا أجيالًا على أن النجاح يعني:
أن تتذكر ما قاله الآخرون… لا أن تفكر فيما تراه أنت.
والنتيجة؟
خرجت لنا أحيانًا قيادات تحفظ لغة الوطنية، لكنها لا تفهم معنى الوطن.
وتحفظ أناشيد الحرية، لكنها تخاف من حرية الرأي.
وتحفظ خطط التنمية، لكنها لا تعرف لماذا يهرب الشباب من البلاد أصلًا.
المشكلة ليست في الحفظ نفسه، فالحفظ أداة مهمة، والذاكرة قوة عظيمة.
لكن الكارثة تبدأ عندما يتحول العقل إلى مخزن… لا إلى ورشة تفكير.
الأمم لا تنهض بعدد ما تحفظه من الشعارات، بل بقدرتها على فهم الواقع ومراجعته والاعتراف بأخطائها.
فالطائرة لا تطير لأن المهندس حفظ قوانين الفيزياء، بل لأنه فهم كيف تعمل.
والدولة لا تنجح لأن المسؤول يحفظ الخطب الوطنية، بل لأنه يفهم الإنسان الذي يعيش تحت سلطته.
وفي النهاية، ربما أخطر ما يحدث لأي شعب هو أن يظن أن تكرار الكلام يعني صناعة الحقيقة.
لأن الحفظ قد يصنع ببغاءً ممتازًا…
لكن الفهم وحده يصنع إنسانًا قادرًا على النجاة.
مركز مسارات للإستراتيجيا و الإعلام موقع اخباري متنوع