تم النشر بتاريخ 16 مايو, 2026
د.فيروز الولي
في الصين، لا تُولد السياسة دائمًا من الكتب… أحيانًا تولد من حفرة طين، أو من كهف بارد، أو من أبٍ سقط من صور الزعيم إلى قوائم الخونة خلال ليلة واحدة.
كان الطفل شي جين بينغ يركض يومًا داخل ممرات السلطة اللامعة، حيث أبناء القادة يعيشون كما لو أن الثورة خُلقت خصيصًا لحمايتهم.
سيارات رسمية، مدارس نخبوية، وحراس يفتحون الأبواب قبل أن تصل الأيدي الصغيرة إليها.
ثم فجأة…
استيقظت الثورة ذات صباح وقررت أكل أبنائها.
سقط والده، وتحولت العائلة من “سلالة ثورية عظيمة” إلى “ملف أمني قذر”.
وفي الصين أيام ماو تسي تونغ، كان الفرق بين البطل والخائن أحيانًا لا يحتاج أكثر من مزاج سياسي سيئ بعد فنجان شاي.
الطفل الذي كان يأكل قرب كبار المسؤولين، وجد نفسه لاحقًا يحمل السماد في قرية فقيرة، وينام داخل كهف كأن التاريخ قرر أن يختبره شخصيًا.
وهنا تبدأ السخرية الكبرى.
في عالمنا العربي، ابن المسؤول إذا سقط والده سياسيًا، غالبًا يسقط معه… إلا إذا امتلك فندقًا في الخارج أو قناة فضائية أو حزبًا ورقيًا يمارس المعارضة من جناح خمس نجوم.
أما في الصين، فقد أخذوا ابن الرجل الذي سقط… ثم أعادوه بعد سنوات ليحكم مليارًا ونصف المليار إنسان.
يا لها من مفارقة تجعل جمهور العالم الثالث يحدق بالصورة كمن يشاهد فيلم خيال علمي منخفض الميزانية.
سنوات الريف لم تصنع شاعرًا رومانسيًا، بل صنعت رجلًا يخاف الفوضى كما يخاف الفقير من فاتورة المستشفى.
ولهذا حين وصل شي جين بينغ إلى الحكم، لم يأتِ بعقلية “الزعيم الملهم” فقط، بل بعقلية طفل رأى كيف يمكن أن تنهار العائلة والدولة والحزب خلال لحظة جنون سياسي.
فبدأ بتنظيف الحزب بقبضة حديدية تحت شعار “مكافحة الفساد”.
وفي بلادنا، عبارة “مكافحة الفساد” تعني غالبًا تغيير صور الفاسدين فقط… أما الكراسي فتبقى كما هي، واللصوص يتبادلون الحقائب الوزارية كأنها هدايا عيد.
لكن في الصين، كان المشهد مختلفًا:
مسؤولون كبار سقطوا، جنرالات اختفوا، ورجال أعمال تعلموا أن المليارات لا تحمي أحدًا إذا غضب الحزب.
ثم جاءت لحظة الذروة:
الرجل الذي نام داخل كهف طيني أصبح يتحكم بثاني أكبر اقتصاد في العالم، ويجلس أمام رؤساء الغرب بوجه جامد يشبه موظف بنك لا يبتسم حتى لو انهار الدولار أمامه.
والمضحك المبكي أن كثيرًا من دول العالم الثالث ما زالت تناقش مشاريع الكهرباء والمياه والرواتب منذ نصف قرن، بينما الصين تناقش الذكاء الاصطناعي والفضاء والهيمنة التكنولوجية.
هناك دول تبني مستقبلًا…
وهناك دول ما زالت تبني لجنة للتحقيق في سبب اختفاء مستقبلها.
وربما لهذا تبدو قصة شي جين بينغ مزعجة للكثيرين؛ لأنها تطرح سؤالًا قاسيًا:
كيف استطاعت دولة خرجت من المجاعة والثورة والفوضى أن تصبح قوة عالمية…
بينما ما زالت دول تملك النفط والبحار والثروات والخطب الرنانة عاجزة حتى عن إصلاح شارع دون مؤتمر صحفي وسبعة شعارات وطنية؟
إنها ليست قصة رجل فقط…
بل قصة دولة قررت أن تتحول إلى تنين، بينما ما زال كثيرون في عالمنا يتشاجرون على من يملك حق النفخ في رماد الأمس.
مركز مسارات للإستراتيجيا و الإعلام موقع اخباري متنوع