اليمن بين هرمز وباب المندب..حين تتحول الجغرافيا إلى لعنة سياسية

تم النشر بتاريخ 16 مايو, 2026

د.فيروز الولي

في هذا العالم، هناك دول تملك النفط، ودول تملك المصانع، ودول تملك التكنولوجيا… أما اليمن، فيبدو أنه ابتُلي بشيء أخطر: الموقع.
اليمن ليس دولة فقيرة كما يحب سماسرة السياسة ترديد ذلك في نشرات الشفقة الدولية، بل دولة واقفة فوق عنق العالم البحري، تمسك باب المندب كحارسٍ قديم نسي الجميع اسمه لكنهم لم ينسوا مفتاحه.
ولهذا، كلما اشتعلت النار في مضيق هرمز، يبدأ العالم بالنظر نحو اليمن بعين القلق لا بعين الاحترام؛ لأن باب المندب ليس مجرد ممر بحري، بل شريان يربط تجارة الشرق بثروة الغرب، وإذا اختنق… يختنق معه الاقتصاد العالمي كله. تحليلات وتقارير حديثة حذرت بالفعل من تحوّل باب المندب إلى الجبهة التالية بعد تصاعد أزمة هرمز والتوتر مع إيران.

المضحك المبكي أن العالم لم يتذكر اليمن إلا حين أصبحت سفنه خائفة من المرور قرب سواحله!
ثلاثون سنة وهم يقدمون اليمن كصورة لطفل جائع وبيت طيني وحرب أهلية، لكنهم نسوا أن هذا “الطفل الجائع” يجلس فوق واحد من أخطر الممرات البحرية في الأرض.
وفجأة… صار اليمن “قضية أمن عالمي”.
يا للمعجزة!
الكل اليوم يتحدث عن “حماية الملاحة الدولية”، لكن لا أحد يتحدث عن حماية اليمنيين من الجوع والفساد واللصوص الذين حكموا البلاد كأنها غنيمة حرب لا وطن.
في اليمن، السياسي يشبه سمسار العقارات: يؤجر الوطن للخارج… ثم يقف في التلفزيون يتحدث عن السيادة!
أما الحديث عن تقسيم اليمن، فهو لم يعد مجرد نظرية مؤامرة يتداولها الناس في المقاهي. الواقع نفسه أصبح خرائط نفوذ متشظية، وسلطات متعددة، وجيوش أكثر من عدد المدارس، وأعلام أكثر من عدد المستشفيات.
كل منطقة لديها “رئيس”، و”قائد”، و”ناطق رسمي”، و”محرر وطني”، بينما المواطن يبحث فقط عن كهرباء لا تموت قبل شحن الهاتف.
المشهد صار كوميديًا بشكل مؤلم: كل طرف يقول إنه يحارب من أجل اليمن… لكن اليمن نفسه لا يظهر في النتيجة النهائية!
هناك من يريد اليمن ساحة مواجهة مع إيران. وهناك من يريده جدارًا أمنيًا للخليج. وهناك من يراه مجرد محطة عسكرية لحماية التجارة العالمية. أما اليمني المسكين، فلا أحد يسأله ماذا يريد أصلًا.
والأخطر من الحرب العسكرية هو الحرب على هوية اليمن.
يتم اختزال بلد عمره آلاف السنين في جماعة مسلحة، أو مجاعة، أو نشرات عاجلة، بينما تُدفن حضارة اليمن القديمة تحت ركام السياسة الحديثة.
بلد صدّر التجارة والبخور والعلوم والبحّارة… أصبح يُقدَّم للعالم كأنه مجرد خبر أمني أسفل الشاشة.
حتى الثقافة اليمنية يجري تمزيقها: مرة باسم الطائفية، ومرة باسم المناطقية، ومرة باسم “الوصاية الأخوية”، ومرة باسم “التحرير”.
وفي النهاية، يضيع اليمن بين الممول والمحلل والمقاتل.
العالم لا يخاف على اليمن… العالم يخاف من اليمن إذا استيقظ.
لأن يمنًا مستقرًا، موحدًا، يمتلك قراره وسيادته، يعني قوة بحرية وتجارية وبشرية هائلة في قلب المنطقة.
ولهذا يبدو المشهد أحيانًا وكأن المطلوب ليس إسقاط اليمن… بل إبقاؤه واقفًا على حافة السقوط دائمًا.
لا يموت تمامًا… ولا ينهض تمامًا.
ويا للمفارقة الساخرة: الدول الكبرى تتحدث عن “حرية الملاحة” أكثر مما تتحدث عن حرية الإنسان اليمني نفسه.
فالسفينة عندهم أهم من المواطن، وبرميل النفط أهم من الطفل، والمضيق أهم من الوطن.
لكن التاريخ لديه عادة سيئة: أنه يسخر في النهاية من كل من ظن أن الجغرافيا وحدها تكفي للسيطرة على الشعوب.
واليمن… هذا البلد الذي أرهقته الحروب والخيانة والجوع… ما زال حتى الآن يربك الجميع، لأنه ببساطة لم يمت رغم كل ما حدث له.

Left Menu Icon
الرئيسية