تم النشر بتاريخ 11 أبريل, 2026
د فيروز الولي
في هذه الجغرافيا الممتدة من المحيط إلى ما وراء الصبر، تعيش شعوبٌ حالة فريدة من التناقض: غضبٌ بلا فعل، ووعيٌ بلا قرار، وصراخٌ يتحول مع الوقت إلى نوع من الترفيه الجماعي. شعوب تعرف تمامًا من يسرقها، من يكذب عليها، من يعبث بمستقبلها… لكنها، بطريقة ما، تكتفي بدور “المحلل” بدل أن تكون “الفاعل”.
المشهد أقرب إلى مسرحية كوميدية سوداء: المواطن غاضب من الفساد، لكنه ينتخب الفاسد. يلعن سوء الإدارة، لكنه يدافع عنها إن كانت “من طائفته” أو “من جماعته”. يطالب بالعدالة، لكنه يخاف منها إن اقتربت من دائرته. إنها ليست أزمة أنظمة فقط، بل أزمة وعي مُدرَّب على التكيّف مع الخطأ.
نفسيًا، هذه الشعوب تعيش حالة “التطبيع مع الألم”. الألم لم يعد دافعًا للتغيير، بل صار جزءًا من الهوية. كأن الفشل أصبح مألوفًا إلى درجة أن النجاح يبدو غريبًا ومريبًا. لذلك، عندما ترى نموذجًا لدولة مستقرة أو نظام يحاسب الفاسدين، لا تفكر في تقليده، بل تبحث عن نظرية مؤامرة تفسّر نجاحه… لأن الاعتراف بأن المشكلة داخلية مؤلم أكثر من اختراع عدو خارجي.
اجتماعيًا، تم تفكيك فكرة “المواطنة” واستبدالها بـ”الانتماء الضيق”. لم يعد السؤال: كيف نبني دولة؟ بل: من يحكم؟ ولمصلحة من؟ وهنا تتحول السياسة إلى صراع قبلي حديث، تُستخدم فيه الدولة كغنيمة لا ككيان جامع.
اقتصاديًا، النتيجة واضحة: موارد مهدورة، طاقات شبابية مهاجرة أو محبطة، واقتصاد قائم على الترقيع لا الإنتاج. دول تمتلك كل مقومات النجاح لكنها تُدار بعقلية “إطفاء الحرائق” بدل صناعة المستقبل. الفساد ليس حادثًا طارئًا، بل نظام تشغيل كامل.
سياسيًا، اللعبة مكشوفة: إعادة تدوير نفس الوجوه، نفس الخطابات، نفس الوعود… مع تغيير بسيط في الشعارات لإعطاء انطباع بالتجديد. الانتخابات، إن وُجدت، تتحول إلى مهرجان عاطفي لا إلى محاسبة عقلانية. والنتيجة؟ دورة مغلقة من الفشل المتجدد.
إعلاميًا، هناك ماكينة ضخمة لصناعة الوهم. تضخيم الإنجازات الصغيرة، وتجاهل الكوارث الكبيرة، وتحويل المواطن إلى متلقٍ مُرهق لا يملك وقتًا للتفكير. الإعلام هنا ليس مرآة، بل أداة تخدير جماعي تُعيد تشكيل الواقع بما يناسب السلطة.
أمنيًا ولوجستيًا، تُدار الدول بعقلية “السيطرة لا الخدمة”. المواطن يُنظر إليه كخطر محتمل لا كأصل يجب الاستثمار فيه. الخدمات الأساسية تتحول إلى امتيازات، والبنية التحتية إلى مشاريع مؤجلة دائمًا… “قيد الدراسة” منذ عقود.
ثقافيًا، يتم تسويق الصبر كفضيلة مطلقة، والخنوع كحكمة، والخوف كتعقّل. يتم تجريم الجرأة، والسخرية من الطموح، وشيطنة كل محاولة للتغيير. وهكذا، يُربّى جيل كامل على أن النجاة أهم من الكرامة.
المفارقة الساخرة أن هذه الشعوب تمتلك كل شيء لتكون في مقدمة العالم: موقع استراتيجي، موارد طبيعية، تاريخ، طاقات بشرية هائلة… لكنها تُصر على لعب دور الضحية، وكأنها وجدت راحة غريبة في البقاء داخل القفص.
الحقيقة القاسية؟ لا أحد سيأتي لينقذ أحدًا. الدول التي تعيش في رخاء لم تصل إلى هناك بالدعاء ولا بالصدفة، بل بمنظومات واضحة: محاسبة، تداول سلطة، قضاء مستقل، وحرية تعبير. الفارق ليس في الجينات، بل في القواعد.
والخلاصة، وربما أكثر ما يؤلم: المشكلة ليست أن الشعوب لا تعرف، بل أنها تعرف… ولا تفعل.
وفي عالم اليوم، الجهل لم يعد أخطر من الصمت… بل ربما الصمت الواعي هو الجريمة الأكبر.
مركز مسارات للإستراتيجيا و الإعلام موقع اخباري متنوع