تم النشر بتاريخ 4 أبريل, 2026
فيروز الولي
في لحظة إقليمية مشتعلة، حيث تُعاد صياغة التحالفات على وقع المصالح لا الشعارات، وتتحول لغة السياسة من الصراخ إلى الحسابات الدقيقة، يبدو المشهد اليمني وكأنه خارج بثّ العالم… أو على الأقل متأخر عنه بعقد كامل.
المنطقة تغلي، نعم.
لكنها—بشكل لافت—بدأت تتعلم كيف تُدير الغليان بدل أن تنفجر فيه.
حتى الخصومات التاريخية، ومنها العلاقة مع إيران، لم تعد تُدار بنفس الانفعال القديم. في دول الخليج تحديدًا، هناك تحوّل واضح نحو البراغماتية: خفض التصعيد، فتح قنوات، وإدراك أن الجغرافيا لا تُلغى، وأن المصالح لا تُدار بالشعارات.
وفي موازاة ذلك، تتحرك اقتصادات المنطقة تحت ضغط عالمي قاسٍ: في مصر سياسات تقشف وإعادة هيكلة،
وفي الأردن إدارة دقيقة بين الاستقرار والانضباط المالي،
وفي معظم الدول العربية والإسلامية، توجه عام نحو ترشيد الإنفاق وتعظيم الموارد.
الجميع تقريبًا فهم الرسالة:
العالم تغيّر… ومن لا يتغير، يُستبعد.
اليمن: دولة تُعيّن بدل أن تُدير
وسط كل هذا، تبدو “الشرعية” وكأنها لم تستلم المذكرة.
فبدل أن تعيد تعريف أولوياتها في ظل حرب مستمرة منذ عقد، وانهيار اقتصادي، وأزمة إنسانية خانقة، اختارت أن تُركّز على مهمة واحدة:
التعيين.
وزراء، سفراء، مناصب… تتكاثر بشكل يثير الدهشة، لا لأنها تعكس توسعًا في الأداء، بل لأنها تعكس توسعًا في شبكة المصالح.
الدولة هنا لا تُدار كمنظومة كفاءة، بل كـ:
شركة توظيف مغلقة… بمعايير مفتوحة للولاء فقط.
الاقتصاد: الهدر كسياسة غير معلنة
في بلد يُفترض أنه في حالة طوارئ اقتصادية دائمة، يستمر نزيف الموارد:
موازنات بلا أثر
وظائف بلا إنتاج
إنفاق بلا عائد
بينما الشعوب في المنطقة تعيد ترتيب أولوياتها، وتتحمل إجراءات قاسية، نجد في اليمن نموذجًا معكوسًا:
كلما اشتدت الأزمة… زاد الهدر.
المشكلة لم تعد في نقص الموارد فقط، بل في غياب الفكرة الأساسية لإدارتها.
المفارقة الثقيلة: الخصم يواكب… والشرعية خارج اللعبة
وربما أكثر ما يثير السخرية المرّة أن الخصم المحلي نفسه—رغم كل التحفظات عليه—بات أكثر قدرة على قراءة المشهد.
يتفاعل مع المتغيرات، يضبط إيقاعه، ويحاول أن يكون جزءًا من المعادلة الإقليمية والدولية…
بينما تبدو “شرعية الفنادق” وكأنها خارج التغطية تمامًا.
ليس تمجيدًا لأحد، بل توصيف لحقيقة صادمة:
من يتحرك داخل الواقع—even إن اختلفنا معه—أكثر تأثيرًا ممن يعيش خارجه.
الأمن: دولة اسمية ونفوذ فعلي
غياب مشروع وطني موحد حوّل الدولة إلى كيان شكلي:
سلطة بلا سيطرة كاملة
مؤسسات بلا فاعلية
قرار موزع بين قوى متعددة
وفي هذا السياق، تصبح التعيينات مجرد أدوات توازن، لا أدوات بناء.
اللوجستيات: حين يغيب العمود الفقري
الدولة ليست خطابات، بل منظومة تشغيل: موانئ، مطارات، طرق، إدارة موارد.
لكن حين تُدار هذه المفاصل بعقلية “ترضية الجميع”، تصبح النتيجة:
هيكل ضخم… بلا أعصاب.
الجغرافيا: فرصة مهدورة على باب العالم
اليمن ليس بلدًا هامشيًا.
هو يطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم: باب المندب.
هذا الموقع كان يمكن أن يكون مصدر قوة اقتصادية واستراتيجية هائلة، لكنه تحوّل—بفعل الصراع وسوء الإدارة—إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي.
المشكلة ليست في الجغرافيا…
بل في من يديرها بعقلية أقل من حجمها.
اجتماعيًا: شعب يقتصد… وسلطة تُسرف
في الشارع اليمني، الناس تعيش التقشف القسري:
أسر تعيد ترتيب أولوياتها يوميًا
شباب يبحث عن الحد الأدنى من الاستقرار
مجتمع يتكيّف مع الأزمات
بينما في أعلى الهرم، لا يبدو أن نفس القواعد تُطبق.
وهنا تتشكل أخطر فجوة:
شعب يعيش على الحد الأدنى… وسلطة تتصرف وكأن الموارد بلا سقف.
الكوميديا السوداء: العبث كسياسة
الأكثر إثارة ليس الفشل… بل الإصرار على تكراره.
بلد في حرب، اقتصاد منهار، منطقة تغلي…
والحل المتكرر:
“نعيّن مسؤولًا جديدًا… ربما هذه المرة تنجح!”
إنها ليست سياسة بقدر ما هي كوميديا سوداء،
لكن بلا جمهور يضحك… لأن الجميع يدفع الثمن.
الخلاصة: بين عالمين
لدينا اليوم عالم يتحرك بسرعة:
خصومات تتحول إلى تفاهمات
اقتصادات تُعاد هيكلتها
دول تتكيف مع واقع جديد
وفي المقابل، لدينا “شرعية”:
تُنفق بلا حساب
تُعيّن بلا رؤية
وتؤجل بدل أن تُعالج
وبينهما يقف اليمن، لا لأنه بلا فرص… بل لأن من يديرونه يتصرفون وكأنهم:
خارج الزمن… وخارج الجغرافيا… وخارج منطق الدولة.
وفي السياسة كما في الاقتصاد، القاعدة لا ترحم:
من لا يواكب العالم… يتحول إلى هامش فيه.
مركز مسارات للإستراتيجيا و الإعلام موقع اخباري متنوع