في حضرة المخرج الخفي: حين يصبح الخائن زعيما والوطن ضحية

تم النشر بتاريخ 30 مارس, 2026

حافظ الشجيفي

ما أصعب أن يجد المرء نفسه مضطرا لتشريح الداء في بدن أمة كانت يوما ملء السمع والبصر، وما أقسى أن يخط القلم سيرة النكبة التي حلت بالديار لا بفعل زلزال عاتي أو ريح صرصرا، بل بصنيع أيادي من أبناء جلدتنا، انتحلوا صفة الحماة وهم البغاة، ولبسوا ثياب السادة وهم في حقيقة أمرهم عبيد لمخرج خفي، يقبع خلف الواجهة، يحرك الخيوط فترقص الدمى، ويوجه الدفة فتغرق السفينة بمن فيها، فهذا المستعمر الذي لم يعد يأتي بجيوش جرارة تملأ الفضاء غبارا، بل صار يكتفي بفرز دقيق، وانتقاء مريب، يقلب فيه وجوه القوم، فلا يقع اختياره إلا على من فسدت طباعهم، وانتكست ضمائرهم، واستوطن الفشل والغباء في عقولهم كأنه قدر مقدور، ذلك أن هذا المخرج البارع في فنون المسخ، لا يبحث عن النابغ الذي يرفع رأس وطنه، ولا عن الشريف الذي يغار على عرض شعبه، وإنما يفتش في قمامة المجتمع عن تلك النفوس التي جمعت بين خصلة الغباء وخصلة أخرى يترفع القلم عن خط حروفها، ويأنف اللسان عن النطق بمرادفها، لفرط ما توغل في الوحل، ولما تحمله من معنى الخسة والدناءة الذي بات معلوما لدى العامة والخاصة، فلا يحتاج منى إلى تبيان أو تفسير، إذ هي العلامة الفارقة التي تفتح لصاحبها أبواب القصور ومنافذ السلطة، وتمنحه صك الولاء والتبعية المطلقة لاولياءه.
وحين يستوي هذا العميل الغبي الفاشل، المدموغ بتلك الصفة القبيحة، على كرسي الحكم نيابة عن سيده، يبدأ فصل التنكيل بالوطن، فيشرع في بناء دولة “الظلال المهتز، حيث يحيط نفسه بحاشية تشبهه في المنبت والمعدن، فيعين نوابا له، ورئيسا لحكومته، ومحافظين للمحافظات، لا يجمع بينهم سوى ذلك القاسم المشترك من العجز والتبعية، ثم يمضي رئيس الحكومة على ذات النهج، فيتخير وزراءه من طينته، وينحدر الأمر هبوطا حتى يصل إلى أصغر دائرة حكومية، وأدنى قسم إداري، فتصبح الدولة كلها، من قمة هرمها إلى قاعدة أساسها، رهينة بأيدي ثلة من الممسوخين الذين لا يملكون من أمر أنفسهم فتيلا، بل هم مجرد أدوات تنفيذية لمخطط الهدم الذي رسمه المخرج لتفكيك عرى المجتمع، وتقويض أركان السيادة، وتحويل الأوطان إلى ركام تذروه الرياح، ولا يقتصر هذا الوباء على الجهاز الرسمي، بل يمتد ليلوث فضاء الأحزاب، ويدنس المكونات السياسية التي تدعي الوطنية وهي منها براء، ويصطنع منظمات للمجتمع المدني تتستر وراء لافتات الإنسانية والحقوق والتنمية، بينما هي في جوهرها خلايا نائمة تعمل لخدمة أجندات المخرج، وتقتات على فتات موائده المسمومة.
ثم يأتي دور الآلة الإعلامية، وما أدراك ما الإعلام في زمن الزيف، حيث نواجه جيش من المرتزقة والمطبلين، ممن نبتت لحومهم من سحت العمالة، ليمارسوا طقوس التلميع والتدليس، فيصورون لنا هذا الفاشل الغبي المنكسر في صورة الزعيم الملهم، والتافه المنبوذ في هيئة البطل المغوار، والجاهل الأحمق في ثوب العبقري الجهبذ، وينسجون حول هؤلاء الخونة هالات من القداسة والنضال، بينما الواقع الصارخ يصفع الوجوه كل صباح، فلا نرى من مآثرهم إلا خرابا يستشري، ودمارا يمتد، وأزمات مفتعلة تضيق على الناس خناقهم، وحروبا عبثية لا ناقة للشعب فيها ولا جمل، وغايتها الوحيدة إرهاق البسطاء، وإذلال الشرفاء، لكسر إرادتهم وحملهم على القبول بمشاريع المخرج التي يمررها هؤلاء الوكلاء، فما هي إلا عملية التفاف كبرى على الوعي الجمعي، يقودها إعلاميون باعوا ضمائرهم في سوق النخاسة، ليقنعوا الضحية بأن الجلاد هو المنقذ، وبأن الهلاك هو سبييل النجاة.
ولهذا كله، لا يجد العاقل غضاضة في فهم السر وراء ما يحل بكل ذي مروءة ونجاح في هذه البلاد، حيث صار التهميش نصيب المخلصين، والتنكيل قدر الأبطال، والسجن أو العزل جزاء كل من أبى أن ينخرط في جوقة النفاق، أو يرفض أن يكون مسمارا في نعش وطنه، فالاغتيالات التي تحصد الرؤوس المفكرة، والسجون التي تغص بالأحرار، ليست إلا جزءا أصيلا من استراتيجية “المخرج” لضمان بقاء الساحة خالية إلا من الغثاء، لكي يستمر هؤلاء العملاء الفاشلون في أداء أدوارهم المرسومة لهم بدقة، وسط ذهول الشعوب التي تجد نفسها محاصرة بين فكي كماشة مُخرج يخطط، وعميل ينفذ، وإعلام يبرر، وضياع يلوح في الأفق كأنه الفجر الكاذب، وما هذه القصة التي نعيش تفاصيلها المرة إلا فصلا من فصول المأساة التي صاغتها يد الغدر، ونفذتها أدوات الفشل، ليبقى الوطن جريحا ينزف، والشعب أسيرا يبحث عن خلاص من عصبة لا ترقب في مؤمن إلا ولا ذمة.

Left Menu Icon
الرئيسية