تم النشر بتاريخ 28 مارس, 2026
فيروز الولي
في الوطن العربي، لا تحتاج أن تكون عالمًا لتتحدث عن العلم، ولا ناجحًا لتدرّب على النجاح، ولا حتى قارئًا لتُلقي محاضرة عن المعرفة. يكفي أن تمتلك نبرة واثقة، وبعض المصطلحات اللامعة، وابتسامة تصلح لصور الإعلانات… وستصبح “مدربًا معتمدًا” خلال أسبوع، وربما “ملهمًا” خلال أسبوعين.
نحن أمة تتقن الكلام عن كل شيء… إلا الفعل.
في الصباح، تفتح هاتفك فتجد عشرات الدورات عن “كيف تصبح مليونيرًا قبل الثلاثين”، يقدّمها شاب لم يتجاوز الخامسة والعشرين، يعيش على الإعلانات. وفي المساء، تمر بجانب مسجد فترى خطيبًا يتحدث عن بناء الإنسان والحضارة… بينما الحيّ حوله ينهار من الفقر والإهمال. وفي الليل، تظهر لك مقاطع “تحفيزية” تُقنعك أن النجاح مجرد قرار… كأن الواقع نكتة ثقيلة يمكن تجاوزها بابتسامة.
وفي المقابل؟
أين العلماء؟ أين الباحثون؟ أين المختبرات؟ أين براءات الاختراع؟
صمت.
ليس لأنهم غير موجودين، بل لأنهم — ببساطة — غير مرئيين. لا يملكون منصات صاخبة، ولا لغة تسويقية براقة، ولا جمهورًا يعشق الوهم. العالم الحقيقي يعمل بصمت… في بيئة لا تكافئه، ونظام لا يفهمه، ومجتمع يسأله دائمًا: “وماذا سنستفيد منك الآن؟”
المشكلة ليست في المدربين ولا في الخطباء بحد ذاتهم… بل في التضخم.
تضخم الكلام حتى صار بديلاً عن الفعل.
وتضخم الوعظ حتى صار غطاءً للعجز.
وتضخم “التحفيز” حتى أصبح مخدّرًا جماعيًا.
صرنا نستهلك الأمل بدل أن ننتجه.
نحن لا نعاني من نقص النصائح… بل من فائضها.
لا نعاني من قلة الكلام عن النجاح… بل من غياب بيئة النجاح.
لا نعاني من غياب الوعي… بل من غياب التطبيق.
والأخطر من ذلك؟
أننا بدأنا نصدق أن هذا طبيعي.
صار من المقبول أن يكون “المدرب” أشهر من العالم،
وأن يكون “المؤثر” أعلى قيمة من الباحث،
وأن يكون “صانع المحتوى” أكثر تأثيرًا من صانع الحقيقة.
وهنا تتحول الكوميديا إلى مأساة.
لأن الأمم لا تُبنى بالخطب، ولا تُدار بالدورات، ولا تتقدم بالمقاطع التحفيزية.
الأمم تُبنى بالعلم… بالبحث… بالفشل والتجربة… بالعمل الطويل الصامت الذي لا يصفق له أحد.
لكن من يملك الصبر لذلك في زمن “النجاح السريع”؟
نحن نعيش مفارقة قاسية:
نريد نتائج دول متقدمة… بعقلية دورات نهاية الأسبوع.
نريد اختراعات… دون مختبرات.
نريد نهضة… دون تعب.
وفي النهاية، نستيقظ على السؤال ذاته: لماذا تأخرنا؟
الإجابة ليست لغزًا.
نحن ببساطة اخترنا الطريق الأسهل: أن نتحدث عن القمة… بدل أن نصعد إليها.
وفي هذه “الجمهورية”، سيبقى المدربون يدرّبون، والخطباء يخطبون، والجمهور يصفّق…
بينما العالم الحقيقي، ذلك الذي يصنع الفرق،
إما صامت… أو مهاجر… أو مُحبط… أو منسي.
وهكذا، تستمر المسرحية:
ضجيج في الواجهة… وفراغ في العمق.
مركز مسارات للإستراتيجيا و الإعلام موقع اخباري متنوع