تم النشر بتاريخ 21 يناير, 2026
بقلم: المهندس غسان جابر
ليس من السهل أن تكتب عن دولة دون أن تقع في فخ المبالغة، ولا عن تجربة إنسانية دون أن تنحاز لها وجدانيًا. لكن حين يكون الحديث عن دولة الإمارات العربية المتحدة وما تقدمه لذوي الاحتياجات الخاصة – أصحاب الهمم – فإن الواقع نفسه يفرض نبرته، ويجعل الإشادة أقرب إلى توصيف دقيق منها إلى مديح.
في الإمارات، لا تُدار قضايا أصحاب الهمم كملف اجتماعي ثانوي، بل كجزء أصيل من الهوية الوطنية، ومن رؤية تعتبر الإنسان – كل إنسان – أساس التنمية وغايتها.
من رؤية المؤسسين إلى سياسات الدولة
منذ عهد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، تبلورت قناعة راسخة بأن المجتمع المتماسك هو الذي لا يترك أحدًا خلفه. هذه الرؤية تحولت إلى سياسة واضحة عام 2004، حين صدر القانون رقم (2) عن الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان – رحمه الله – بتأسيس هيئة زايد لأصحاب الهمم كمؤسسة حكومية مستقلة في إمارة أبوظبي، تكون مظلة جامعة لكل الجهود الإنسانية المتعلقة بهذه الفئة.
واليوم، ومع تشكيل مجلس أمناء جديد برئاسة الشيخ خالد بن زايد آل نهيان حفظه الله، تواصل الهيئة تطوير نموذج متقدم يجمع بين الاحتراف المؤسسي والبعد الإنساني العميق.
هيئة زايد لأصحاب الهمم… حين تُدار الحياة بكرامة
ما يميز هيئة زايد لأصحاب الهمم أنها لا تشتغل على “الحالة” بل على “المسار”.
من التدخل المبكر للأطفال، إلى التقييم الشامل، والعلاج الطبيعي، وعلاج النطق، والدعم النفسي، والتعليم، والتدريب المهني، والأنشطة الرياضية والثقافية… تقدم الهيئة منظومة متكاملة تشعر معها الأسرة بأن الدولة حاضرة في التفاصيل، لا في الشعارات.
هي مؤسسة لا تُخفف الألم فقط، بل تفتح الأفق، وتحوّل التحدي إلى فرصة، والاعتماد إلى استقلال.
التكنولوجيا في خدمة الإنسان
في التجربة الإماراتية، لا تُستخدم التكنولوجيا للعرض، بل للتمكين.
إطلاق روبوت ذكي لإصدار بطاقات أصحاب الهمم، وربط قواعد البيانات، وتسريع الخدمات، كلها خطوات تختصر الوقت والجهد، وتمنح أصحاب الهمم شعورًا أساسيًا بالاستقلالية.
ويأتي مشروع إصدار تصاريح المواقف إلكترونيًا مثالًا حيًا على هذا التوجه؛ خدمة تُنجز خلال دقائق بدل أسابيع، وتخدم نحو 20 ألف مستفيد في أبوظبي، دون تعقيد أو بيروقراطية.
Zero Project… حين تشهد فيينا للإمارات
هنا تكتسب التجربة الإماراتية بُعدًا عالميًا، حين فازت هيئة زايد لأصحاب الهمم عام 2026 بجائزة Zero Project الدولية، إحدى أرفع الجوائز العالمية في مجال حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
جائزة Zero Project، التي تُنظمها مؤسسة الإمبراطورية النمساوية في فيينا منذ عام 2010، لا تُمنح للمجاملات، بل للمشاريع القادرة على تحويل اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة إلى ممارسات عملية قابلة للتعميم.
اختيار مشروع إماراتي ضمن 75 حلًا مبتكرًا من عشرات الدول، وتكريمه في المؤتمر الدولي الرسمي، ليس إنجازًا تقنيًا فقط، بل شهادة دولية على صدقية النهج الإماراتي.
هي لحظة تقول فيها مؤسسة عالمية:
ما يجري في أبوظبي ليس استثناءً محليًا، بل نموذجًا إنسانيًا قابلًا لأن يُحتذى عالميًا.
بطاقة سند السياحية… الكرامة بلا جنسية
ولأن دولة الإمارات العربية المتحدة لا تفصل بين المواطن والمقيم والزائر، جاءت بطاقة سند السياحية لتترجم هذا المبدأ على أرض الواقع.
بطاقة ذكية تُصدر خلال ساعات، تمنح السائح من أصحاب الهمم أولوية في الخدمات، وتسهيلات في النقل، ودخولًا ميسرًا للمرافق الترفيهية، وتعاملاً محترمًا في المطارات والفنادق.
هي رسالة حضارية واضحة:
من يزور الإمارات، يجدها مُعدّة له… لا عليه.
مجتمع يدمج… لا يعزل
من الفعاليات الرياضية، إلى مسابقات المهارات، إلى مسيرات وطنية ورسائل إنسانية عالمية، تؤكد الإمارات أن أصحاب الهمم ليسوا متلقين للرعاية فقط، بل شركاء في الفعل العام والنجاح.
فخر بلا مبالغة
هل يوجد مكان في العالم يُشبه الإمارات؟
قد توجد دول تقدم خدمات، وأخرى تصدر قوانين، وثالثة تحصد جوائز.
لكن ما يميز الإمارات هو تماسك الصورة:
رؤية مؤسس، تشريع واضح، مؤسسة فاعلة، تقنية ذكية، وشهادة عالمية.
إنها دولة تُشعرك أن الاهتمام بأصحاب الهمم ليس واجبًا ثقيلًا، بل قيمة وطنية…
وحين تصل هذه القيمة إلى فيينا، وتعود بجائزة عالمية، يصبح الفخر وصفًا دقيقًا لا
مبالغة فيه.
م. غسان جابر – قيادي فلسطيني.
مركز مسارات للإستراتيجيا و الإعلام موقع اخباري متنوع