الكارثة تحققت.. الولايات المتحدة تبدأ الحرب على فنزويلا وتعتقل مادورو

تم النشر بتاريخ 4 يناير, 2026

عبده فائد

غارات كاسحة تشنّها أميركا على مطارات وموانئ العاصمة الفنزويلية كاراكاس، وعلى منطقة القصر الجمهوري في ميلا فلوريس، وشبكات الدفاع الجوي، ومقرات كبار المسؤولين، وأولهم وزير الدفاع. والرئيس الكولومبي خرج فورًا يناشد العالم لوقف العدوان. ترامب اخترع كذبة مهولة: فنزويلا تصدّر الكوكايين والفنتانيل لأميركا، بينما كل الأرقام تؤكد أن الفنتانيل مصدره الأساسي هو الصين، والمورد الأكبر هو المكسيك. أما الكوكايين فيصل إلى أميركا قبل كل شيء من كولومبيا وبيرو وبوليفيا، وإسهام فنزويلا في هذه التجارة لا يتجاوز 5–12% وفق تقديرات وكالة المخدرات الأميركية ومكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات. كذبة صدّقتها أميركا وبدأت على أساسها أكبر حملة في تاريخ الأميركتين لحصار دولة: 15 ألف جندي أميركي، منهم خمسة آلاف على متن أكبر حاملة طائرات في العالم “جيرالد فورد”، وقواعد عسكرية في بويرتوريكو جرى إعادة افتتاحها مثل روزفلت رودز، و12 بارجة حربية أميركية على امتداد الكاريبي، وفرض حصار جوي فوق سماء فنزويلا، ونشر أجهزة تشويش تعطّل الاتصالات وحركة الملاحة الجوية — كل ذلك من أجل إسقاط نظام الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

الولايات المتحدة تكرر نفس كذبة حرب العراق من أجل النفط. كل سلوك أميركا يدور حول 303 مليارات برميل من النفط الفنزويلي الخام الثقيل الذي تحتاجه الصناعة الأميركية. ومن المؤسف أن هذه الحقبة الاستعمارية الأميركية بدأت من جائزة نوبل، بفضيحة منحها لمنشقة فنزويلية مؤيدة للاحتلال الأميركي لبلادها، ثم تصاعدت الأمور: دعاية وحصار ثم حرب. وليس النفط وحده؛ فالصين وروسيا حاضرتان. أميركا لن تسمح للصين بالوجود في أميركا اللاتينية، وأعلنت ذلك ضمنًا في استراتيجيتها الجديدة للأمن القومي التي وضعت نصف العالم الغربي (West Hemisphere) كأهم منطقة جغرافية للمصالح الأميركية، وتشمل كامل أميركا الشمالية والجنوبية والوسطى. وروسيا بالتأكيد تخضع لمساومة: أوكرانيا لها، وفنزويلا لأميركا — وهذا يمكن تلمحه بوضوح في التسوية الأميركية المقترحة لإنهاء الحرب في أوكرانيا التي تنص على تنازل كييف عن 20% من مساحتها لموسكو. وفي المنتصف تدفع دول كثيرة ثمنًا قاسيًا في صراع الأفيال، وأولها فنزويلا التي أعلنت التعبئة العامة وحالة الطوارئ لمواجهة غول كاسر يمتلك ترسانة عسكرية تقدر ميزانيتها السنوية بنحو 800 مليار دولار. فنزويلا تخوض أول حرب في تاريخها منذ 100 عام، وهي دولة يتيمة بالكامل؛ لا حليفًا أميركيًا جنوبيًا سيجرؤ على مساعدتها، ولن تحصل على دعم صيني–روسي هائل خشية عواقب إغضاب ترامب.

لم تغيّر أميركا اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب عبثًا؛ فهي بالفعل تتجه نحو حروب جديدة — حروب تبتعد فيها عن القوى الكبرى روسيا والصين، وعن الشرق الأوسط الذي أوكلت مهمة حماية مصالحها فيه للعبريين. الآن ستكون حروبها الكبرى في أميركا الوسطى والكاريبي والجنوبية. ومنظر الانفجارات أليم جدًا. فنزويلا دولة جريمتها الوحيدة أنها وقفت في وجه أميركا حرفيًا: رفضت الانقلاب العسكري عام 2002 على هوجو تشافيز، وأصرت على اتباع سياسة اجتماعية منحازة للفقراء، وزرعت لهم ثلاثة أرباع مليون وحدة سكنية، وأمّمت معظم صناعة النفط وسحبتها من فم أميركا وشركاتها الكبرى. مشكلتها أنها لم ترضخ ولم تفتح حقولها النفطية لإكسون موبيل وكونوكو فيليبس، ولم تقبل بقدوم اليمين المؤيد لاحتلال بلاده جهرًا، وأصبحت بؤرة لإعادة إنتاج اليسار المعادي للاستعمار في أميركا الجنوبية. ومن ثم تدفع الثمن: محاولة انقلاب في 2002 فشلت، ومحاولة أخرى في 2019 فشلت، وتصعيد معارضين مثل خوان جايدو وماريا ماتشادو وفشلوا، ثم خمسون مليون دولار مكافأة على رأس الرئيس الفنزويلي — وفشلت أيضًا. ولم يعد هناك حل سوى أن تتدخل أميركا بنفسها وتشن حربًا ستكون الأكبر في أميركا اللاتينية منذ حرب بنما في أوائل التسعينيات.

هل تصمد فنزويلا؟ للأسف، فنزويلا دولة محاصرة منذ سنوات طويلة، وأصولها النفطية بلا قيمة من ناحية الإنتاج ولا تدرّ عوائد، ومنظومة تسليحها الروسية تبدو متأخرة بشدة عن نظيرتها الأميركية، ولا شك أن هناك خلايا يمينية زرعتها أميركا لسنوات. الاستراتيجية الأميركية هي شنّ حرب جوية كاسحة كتلك التي شنتها على العراق في حربي الخليج الثانية و2003، لإضعاف نظام الحكم وتحييد رؤوسه الكبيرة وإجباره على الاختباء، بما يخلق حالة من الفوضى تؤدي إلى تصعيد عملاء أميركا لقيادة الجيش والسلطة السياسية. هذا هو الرهان الأميركي، ويقابله عجز فنزويلي في الاعتماد على الخارج، إلى درجة أجبرت الحكومة على توزيع الكلاشينكوف على المواطنين — ليس لمواجهة أميركا، بل لإحباط سيطرة مناصري ترامب في فنزويلا على السلطة. ولو صمدت البنية الداخلية الفنزويلية سوف تفشل أميركا. لكن حربًا كهذه لن تدخلها إدارة ترامب دون موارد هائلة للحسم، بحيث تجعل فنزويلا نموذجًا لكل من يخالفها في أميركا اللاتينية. هذه صور تعيدك إلى العراق قبل 22 عامًا؛ مبررات شبيهة بالحرف لامتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل؛ وعالم من الغطرسة الأميركية التي تقصف أصولًا استراتيجية لدولة ترغب فقط في صون قرارها المحلي. وهذا هو ترامب — لا يختلف عن أسلافه بوش الأب والابن وريغان. وتلك هي أميركا — “شيطان العالم الأكبر” وعدو كل منادٍ بالحرية.

Left Menu Icon
الرئيسية