السعودية وخياراتها الجديدة في اليمن بعد الأحداث الأخيرة

تم النشر بتاريخ 3 يناير, 2026

باسم فضل الشعبي

لست محبطًا أو متشائمًا من الدور السعودي في اليمن، رغم كل ما حدث في البلاد منذ ما قبل تحقيق الوحدة وحتى اليوم. ذلك لأن تطورات مراحل الأحداث في اليمن قديمًا وحديثًا تكاد تكون متلازمة ومتسقة لتؤكد أن مشكلة اليمن الأولى هي مشكلة يمنية ـ يمنية، حتى قبل أن تولد الدولة السعودية الحديثة بقيادة الملك عبدالعزيز آل سعود قبل تسعة عقود ونيف.

تقلبت اليمن بين مسميات كثيرة ودويلات عديدة، لكن مشكلة العصبية والهيمنة والغلبة في ذهن اليمني ظلت ملازمة له ولا تفارقه، لذلك لم يشهد اليمن في تاريخه استقرارًا طويلًا تحت سلطة مركزية واحدة إلا في فترات بسيطة ومتقاربة؛ قد يكون ذلك في العهد السبئي أو الحميري أو القحطاني. ومع ذلك لم يرسخ اليمنيون ثقافة القبول بالآخر فيما بينهم، أو حتى ثقافة شكر نعم الله عليهم، رغم أن اليمن بلد نبوات وحضارات كانت فيها حياة مزدهرة وتحضر سبق العالم كله، وجنات وارفة ابتداءً من جنة عدن إلى جنة سبأ التي لم يشكر اليمنيون الله عليها فبطروا وجحدوا، فتبدلت الجنتان المليئتان بالفواكه والثمار إلى جنتين من شجر الأثل والسدر والخمط التي لا تفيد الإنسان إلا في الاحتطاب وأعلاف الماشية. ناهيك عن أن الوحدة والسكينة والبركات التي كان يعيشها أهل تلك البلدة الطيبة تحولت إلى تمزيق وتشرد وهجرات إلى أصقاع الأرض بحثًا عن حياة جديدة هادئة نتيجة الجحود والكفر بنعم الله.

اليوم ما أشبه الليلة بالبارحة؛ فلم يستقر اليمن في العهد الحديث منذ سبعة عقود وحتى الآن. المشكلة ليست في العامل الخارجي كما يحيلها البعض هروبًا من الواقع المؤلم، وإنما هناك مشكلة يمنية متأصلة؛ قد تكون العصبية السياسية أو المناطقية، وقد تكون حب السيطرة والهيمنة من قبل أطراف على أخرى، وقد تكون – وهذا الأهم – استمرار ثقافة الجحود بكل ما يأتي من عند الله من رجال مصلحين ورسالات وخيرات. فيقع اليمني فريسة لجهله وتكبره وعدم إيمانه، فيحدث الصراع بين الحق والباطل: الحق من الله والباطل من البشر، فتقع الحروب والتمزيق والفساد والفقر والمرض، ومع ذلك يبرر كثيرون ما يحدث بأنه لعبة سياسية وتدخل خارجي، وهي أسباب ثانوية في تقديري.

يخال لي أن الحق موجود في اليمن، لكن المشكلة أن كثيرين في الخارج من دول وكيانات يؤمنون به، فاستقرت حياتهم وتطورت ونالوا رضا الله، بينما كثيرون في اليمن لا يؤمنون به ويناصبونه العداء، لذلك لم يحوزوا رضا الله، والله يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.

عموماً، كل ما حدث يجري في إطار سنة الله في الابتلاء بالخير والشر، لكن الجميع في النهاية سيعودون إلى الله، ويُحكم بينهم بما يريد ووفق ميزان العدل الإلهي. والهدف مما سبق هو العودة إلى الفهم الحقيقي لوجودنا على الأرض؛ فالأمر كبير وعظيم، وليس وجودنا محصورًا في المتع والسلطة والمال والجاه كما يظن كثيرون أفنوا حياتهم في الحروب والصراعات العدمية.

وبالعودة إلى أصل الموضوع، أقول إن التدخل الخارجي في اليمن موجود منذ عقود ولا يمكن إنكاره، وما يحدث اليوم من حروب نجد العامل الخارجي مؤثرًا فيه وقد يتأثر به. وما دام البلد قد وصل إلى ما هو عليه — بلد مقسّم بين مراكز سلطوية عديدة — فإن ما يجري في حضرموت والمهرة شرق اليمن من تنافس ثم حرب، وجد الشقيق الأكبر نفسه حاضرًا فيه، وهو المملكة العربية السعودية. ومن الأمانة القول إن ما يحدث لا يخدم أحدًا بقدر ما يخدم مزيدًا من التمزيق والعداء بين الإخوة، وهو ما يتنافى مع تعاليم الإسلام. لذلك لا بد من المراجعة، وأن تقف المملكة على مسافة واحدة من الجميع، مع إجراء المقاربات اللازمة مع كل الأطراف بحسب وزنها وتأثيرها.

أعتقد أنه من المهم أولًا أن تتوقف الحرب في حضرموت والمهرة ووقف القصف الجوي، ثم فتح باب الحوار بين المملكة والمجلس الانتقالي — الطرف المسيطر جنوبًا — حول أي ترتيبات ضرورية لإعادة تطبيع الأوضاع ومنع الانزلاق إلى حرب جديدة أو سيطرة أحادية أو انتقام بين الحلفاء، على حساب حق الجنوبيين في إدارة أرضهم وثرواتهم، إلى أن يتم التفاهم بين قوى الشمال فيما بينها، ثم يُطلق حوار وطني شامل مع قوى الجنوب وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الذي أعلن مرحلة انتقالية لعامين وإعلانًا دستوريًا لإقامة دولة الجنوب. ومع ذلك، وفي تصوري، لم يُغلق الباب أمام حوار يمني–يمني شامل، أو بمعنى آخر حوار جنوبي–شمالي، لأننا نؤمن بأنه لا يمكن فرض خيار الوحدة أو فك الارتباط بالقوة.

المملكة لاعب رئيسي وتريد الخير لليمن وشعبه، لكن أطرافًا استغلوا طيبة قيادتها واستثمروا دعمها السخي لتحقيق مصالحهم الشخصية والحزبية، بسبب عدم قبولهم بالآخرين ونزعة الهيمنة لديهم، فحوّلوا البلد إلى ساحة صراع دائم، وابتزوا المملكة وخلقوا لها خصومات في الشمال والجنوب. وأصبحت المملكة اليوم توصف بأنها “عدوان”، وهو أمر مؤسف نأمل أن يتغير بإعادة بناء الثقة، ولن يحدث ذلك إلا بخطوة تغيير في كثير من الأوراق التي اعتمدت عليها الرياض سابقًا، وإعادة ترتيب العلاقة مع الانتقالي والجنوب والقوى الوطنية في الشمال، وكذلك مع دولة الإمارات، وإنهاء التصعيد والخطاب المتشنج.

فالمنطقة العربية مقبلة على تحولات كبيرة ستعيدها إلى الواجهة وتجعلها مركز العالم المستقبلي، لذا لا بد من التقارب والتفاهم والحفاظ على الوحدة العربية والخليجية والإسلامية، وإشاعة روح المحبة والسلام في العالم كله.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

Left Menu Icon
الرئيسية