الجنوب يواجه اليوم خطرًا وجوديًا

تم النشر بتاريخ 3 يناير, 2026

عقيد/ محسن ناجي مسعد ( أبود.رمزي )

ما يتعرض له الجنوب اليوم لا يمكن توصيفه كأزمة عابرة أو خلاف سياسي مرحلي، بل هو خطر وجودي حقيقي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى يستهدف الأرض والهوية والسيادة والقرار. إنها معركة مفتوحة متعددة الأدوات، لا تدار بالسلاح وحده، بل بمنظومة متكاملة من الحروب السياسية والإعلامية والاقتصادية والأمنية والنفسية.

وأمام هذا الخطر، فإن أول ما يتوجب على الجنوبيين إدراكه هو أن المواجهة العسكرية، على أهميتها وحتميتها، ليست كافية وحدها لتحقيق النصر. فالتاريخ يثبت أن الشعوب قد تنتصر في الميدان لكنها تُهزم سياسيًا أو إعلاميًا إذا غاب الوعي والتنظيم والرؤية الشاملة.

في هذه المرحلة المصيرية، يتطلب الأمر توحيد الصف الجنوبي سياسيًا ومجتمعيًا، ووقف كل أشكال التنازع والخلافات الثانوية، لأن الانقسام هو السلاح الأخطر الذي يراهن عليه أعداء الجنوب. لا صوت يجب أن يعلو فوق صوت المعركة الوجودية، ولا مشروع يجب أن يتقدم على مشروع استعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة.

كما أن العمل السياسي والدبلوماسي بات ضرورة ملحّة، من خلال فضح ما يتعرض له الجنوب من استهداف ممنهج، وكشف حقيقة القوى التي تتخفى خلف شعارات الشرعية بينما تمارس أبشع أشكال الإقصاء والعدوان. الجنوب بحاجة إلى خطاب سياسي عقلاني، صلب، ومقنع، يخاطب الداخل والخارج بلغة المصالح والقانون والحقوق المشروعة.

أما على الصعيد الإعلامي، فإن المعركة لا تقل شراسة عن ميادين القتال. المطلوب هو بناء جبهة إعلامية جنوبية موحدة، قادرة على نقل الحقيقة، وفضح الأكاذيب، ومواجهة حملات التضليل والتحريض التي تستهدف تشويه القضية الجنوبية وقواتها المسلحة. الإعلام الجنوبي يجب أن يتحول من رد الفعل إلى الفعل المؤثر والمبادر.

وفي الجانب الأمني، يتوجب تعزيز الجبهة الداخلية، ومواجهة محاولات الاختراق، ومحاربة الخلايا النائمة، وتجفيف منابع الفوضى والإشاعات الكاذبة التي يستخدمها العدو كسلاح ناجع بغية إضعاف الروح المعنوية في أوساط الجنوبيين، لأن الأمن هو العمود الفقري لأي مشروع تحرري. فلا سيادة بلا أمن، ولا دولة بلا استقرار.
كذلك، فإن المعركة الاقتصادية والخدمية تمثل أحد أخطر أوجه الاستهداف، إذ يُستخدم التجويع وخلق الأزمات كوسيلة لكسر إرادة الشعب. وهنا يصبح من واجب القيادة الجنوبية العمل الجاد لتخفيف معاناة المواطنين، وحماية ما تبقى من مقومات الصمود، لأن الشعب الصامد هو خط الدفاع الأول.

إن الجنوب، وهو يواجه أعداءه التاريخيين، مطالب اليوم بخوض معركة شاملة، تُدار بالعقل كما تُدار بالبندقية، وبالوعي كما تُدار بالشجاعة. معركة هدفها النهائي الحفاظ على السيادة والكرامة، واستعادة الدولة، وتلقين كل من راهن على كسر إرادة الجنوبيين درسًا قاسيًا في السياسة والميدان والإعلام.
ففي لحظات الخطر الوجودي، لا مكان للحياد أو مسك العصاء من النصف، ولا مبرر للتردد، ولا خيار سوى الانتصار.

Left Menu Icon
الرئيسية