إعلان الانفصال والمرحلة الانتقالية!

تم النشر بتاريخ 2 يناير, 2026

أنس القاضي

أعلن عيدروس الزبيدي ما سمّاه “مرحلة انتقالية” مدتها سنتان، تتضمن في نهايتها استفتاءً لتقرير المصير بإشراف أممي، وإصدار “إعلان دستوري”، تحت عنوان “استعادة دولة الجنوب العربي”، غير أن هذا الإعلان لا يستند إلى تفويض شعبي جنوبي عام يمكن اثباته، بل يقوم على افتراض خطابي لشرعية غير مُؤسَّسة سياسياً أو إجرائياً؛ فالإعلان يُقصي منذ بدايته أي إطار تفاوضي جامع داخل الجنوب، أو مع بقية القوى اليمنية، ويُقدّم نفسه بوصفه سلطة أمر واقع تسعى لاحقاً إلى البحث عن شرعية، لا العكس.

في هذا السياق، لا يُفهم الاستفتاء بوصفه آلية تأسيسية لحق تقرير المصير، بل كأداة إضفاء شرعية لاحقة على مسار أحادي مفروض سلفاً، ما يفقده جوهره الديمقراطي ويحوّله إلى إجراء شكلي لاحق مرتبط بموازين القوة لا بإرادة سياسية حرة.

الانفصال تحت ضغط الميدان!
يأتي الإعلان في لحظة حساسة يتعرض فيها نفوذ المجلس الانتقالي لضغوط ميدانية متصاعدة في الشرق، ولا سيما في حضرموت والمهرة، وهما المحافظتان اللتان تمثلان العمق الجغرافي والاقتصادي لأي كيان جنوبي محتمل.
ويترافق ذلك مع مؤشرات إعادة تموضع عسكري، من أبرزها سحب وحدات من قوات “العمالقة” من الساحل الغربي إلى عدن، والتحشيد الدفاعي تحسباً لردود فعل معاكسة على الإعلان.

سياسياً، يتقاطع هذا التوقيت مع تراجع واضح في قابلية تسويق أي خطوة أحادية جنوبياً على المستوى الإقليمي والدولي، في ظل تمسّك القوى المؤثرة بإطار خفض التصعيد، والحفاظ على وحدة الإطار القانوني القائم، ورفض أي مسارات انفصالية غير تفاوضية. وبذلك، يبدو الإعلان أقرب إلى استجابة سياسية مأزومة لضغط الميدان، لا ثمرة مسار استراتيجي ناضج.

تناقضات الإعلان
أول هذه التناقضات يتمثل في شرعية مُفترضة لا تستند إلى آليات قياس تنافسية أو توافقية، مع تأجيل الاستفتاء إلى ما بعد فرض الأمر الواقع. هذا المسار يعكس منطق “السيطرة أولاً، والشرعية لاحقاً”، وهو منطق يتعارض مع أي انتقال سياسي حقيقي.
ثانيها هو التناقض بين خطاب الحوار ومنطق الحرب. فالجمع بين مرحلة انتقالية واستفتاء من جهة، والتحشيد العسكري والاستعداد للمواجهة من جهة أخرى، يكشف خللاً في التصور السياسي؛ إذ لا يمكن إدارة انتقال سياسي أو بناء كيان جديد في ظل تعبئة عسكرية مستمرة واستعداء طرف آخر، لأن منطق السلاح يُفرغ أي عملية سياسية من مضمونها.

أما التناقض الثالث فيتجسد في تعريفه لمفهوم “القوى الوطنية في الشمال” بحصره ضمنا في طارق صالح الموالي للإمارات والمواجه لصنعاء اي ليست ما تسمى بالشرعية قوة وطنية وحليف محتمل، هذا الفهم السياسي يقدّم تعريفاً وظيفياً “للقوى الوطنية” بوصفها قوة عسكرية معادية لصنعاء، لا بوصفها مكوّناً سياسياً يمنياً عاماً، ما ينسف عملياً أي ادعاء بفتح حوار وطني مع “الشمال”، ويحوّل الشراكة المقترحة إلى تحالف عسكري ظرفي.

ويبرز أخيراً إقصاء ما تسمى “الشرعية”، إذ يتعامل الإعلان ضمناً مع ما يُسمّى «الشرعية» باعتبارها شأناً يمنياً منفصلاً، من دون ذكرها، ويؤكد إدارة المناطق الخاضعة للمجلس على أساس دولة مستقلة، بما في ذلك توجيه البنك المركزي في عدن.
هذا المسار يقطع مع أي إمكانية لمسار توافقي مع العليمي أو السعودية، ويضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد.

الدلالات الميدانية والسياسية المحتملة
تكشف التطورات المرافقة للإعلان أن الشرق مركز الثقل الحقيقي للصراع، فاستمرار التوترات أو الاشتباكات في حضرموت والمهرة يظل مرجحاً، نظراً لأن حسم هاتين المحافظتين يحدد قابلية أي كيان جنوبي للحياة الاقتصادية والجغرافية، وفي المقابل، تبرز احتمالات انكماش جغرافي للمجلس الانتقالي، مع قابلية فقدان أو تحييد محافظات مثل أبين وشبوة، ما قد يفضي إلى كيان محدود يقوم على عصبية سياسية–مناطقية ضيقة، يُعاد فيها إنتاج منطق “الطغمة” بصيغة معاصرة.

هذا المسار يحمل في طياته مخاطر تعميق الانقسام الجنوبي–الجنوبي، واستدعاء صراعات داخلية تاريخية بصيغ جديدة، في ظل غياب مشروع جامع قادر على استيعاب التعدد السياسي والمناطقي في الجنوب.

خلاصة القول يمكن قراءة إعلان المرحلة الانتقالية بوصفه أداة تعبئة داخلية نجحت نسبياً في شدّ العصب السياسي للمجلس الانتقالي، لكنها واقعياً لا تمثل مشروع انفصال قابلاً للتحقق ولا عودة ممكنة إلى ما قبل 1990م، إلا في حدود سيناريو انفصال كيان ضيق ومأزوم( في الضالع ولحج وعدن).
التوقيت يعكس هروباً سياسياً إلى الأمام تحت ضغط ميداني متزايد، لا خطوة تأسيسية محسوبة. وبدلاً من فتح أفق سياسي جديد، يُرجَّح أن يسهم الإعلان في مزيد من التصعيد وتعقيد المشهد، مع استمرار الاشتباكات شرقاً، وتآكل فرص أي كيان أحادي واسع، واحتمال انكماشه جغرافياً وسياسياً.

Left Menu Icon
الرئيسية