تم النشر بتاريخ 30 ديسمبر, 2025
بقلم: غسان جابر
في زمن عربي مثقل بالانقسامات، ومُتخم بخيبات مشاريع الوحدة، تقف دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها استثناءً نادرًا، لا لأنها رفعت شعار الاتحاد، بل لأنها حوّلته إلى ممارسة يومية، وإلى ثقافة حكم، وإلى منطق دولة.
وأنا أكتب عن الإمارات، أفعل ذلك من موقع التأمل السياسي، لا من باب المقارنة السطحية، بل من رغبة صادقة في فهم سرّ هذه التجربة التي نجحت حيث تعثّر غيرها، وبنت دولة مستقرة في محيط إقليمي بالغ الاضطراب.
الاتحاد… خيار العقل لا اندفاع الشعارات
عرف العالم العربي محاولات متعددة للوحدة، كثيرٌ منها وُلد تحت ضغط الشعارات، وسقط تحت ثقل الصراعات.
في المقابل، جاء الاتحاد الإماراتي نتيجة وعي سياسي مبكر أدرك أن الوحدة لا تعني إلغاء الخصوصيات، وأن الدولة القوية لا تُبنى بالمركزية المفرطة، بل بإدارة ذكية للتنوّع.
سبع إمارات، لكل واحدة تاريخها ومكانتها، اجتمعت على قناعة واضحة:
أن المصير المشترك أكثر أمانًا من العزلة، وأن الاتحاد ليس انتقاصًا من السيادة المحلية، بل توسيعٌ لها في إطار وطني جامع.
حكّام الإمارات السبع… قيادة التوازن والاتفاق
لا يمكن فهم نجاح الاتحاد الإماراتي دون التوقف عند الدور المحوري لحكّام الإمارات السبع، الذين قدّموا نموذجًا نادرًا في القيادة الجماعية المتفاهمةدد
أبوظبي مثّلت مركز الثقل السياسي والاقتصادي، وضامن الاستقرار الاتحادي، من خلال رؤية بعيدة المدى للدولة ومؤسساتها.
دبي شكّلت بوابة الإمارات إلى العالم، ونموذج الاقتصاد المنفتح القائم على المبادرة والابتكار.
الشارقة رسّخت البعد الثقافي والمعرفي، مؤكدة أن التنمية الحقيقية لا تنفصل عن الإنسان والهوية.
عجمان و أم القيوين قدّمتا نموذج الشراكة الهادئة، والتنمية المتوازنة دون ضجيج.
رأس الخيمة عززت التنوع الصناعي والسياحي، وربطت التنمية بالبيئة والجغرافيا.
الفجيرة اكتسبت أهمية استراتيجية متنامية، بوصفها نافذة الإمارات على بحر العرب وممرًا حيويًا للتجارة والطاقة.
المعجزة هنا ليست في الأدوار وحدها، بل في غياب الصراع بينها.
فالاتحاد في الإمارات لم يكن ساحة تنافس على النفوذ، بل مساحة تنسيق وتكامل، وهو ما منح الدولة صلابة سياسية واستمرارية مؤسسية.
الدولة التي وثقت بمواطنيها… فانفتح العالم عليها
ما يميّز التجربة الإماراتية أنها لم تفصل بين التنمية والاستقرار الاجتماعي.
فالاستثمار في التعليم، والصحة، والبنية التحتية، لم يكن مجرد استجابة لحاجات آنية، بل خيارًا استراتيجيًا لبناء دولة حديثة قادرة على استيعاب المستقبل.
وفي الوقت ذاته، نجحت الإمارات في إدارة تنوّع سكاني وثقافي واسع، دون أن تفقد هويتها الوطنية.
فالثقة بالذات كانت دائمًا أقوى من الخوف من الآخر، والانفتاح جرى ضمن إطار قانوني ومجتمعي واضح يحفظ التوازن.
الرقم سبعة… رمزية المعنى واكتمال التجربة
يحمل الرقم سبعة في الثقافة الإسلامية والإنسانية دلالات عميقة: الكمال، التوازن، والدورة المكتملة.
وحين قامت دولة من سبع إمارات، بدا الأمر وكأنه انسجام رمزي بين الفكرة والعدد.
قد يكون ذلك بُعدًا وجدانيًا أكثر منه سياسيًا، لكنه يعبّر عن إحساس عام بأن هذا الاتحاد لم يكن عابرًا، بل متجذّرًا في معنى أعمق من المصالح اللحظية.
مقارنة هادئة مع التجارب العربية
من دون الدخول في سجالات، يمكن القول إن الفارق بين الإمارات وتجارب عربية أخرى يكمن في المنهج:
فالاتحاد في الإمارات قام على التوافق، لا الإكراه؛
وعلى توزيع الأدوار، لا احتكار القرار؛
وعلى بناء الدولة، لا تضخيم السلطة.
لهذا صمد الاتحاد، وتطورت الدولة، واستمر المشروع.
درس الإمارات:
نقول تقدّم دولة الإمارات العربية المتحدة درسًا سياسيًا مهمًا مفاده أن الاستقرار ليس نقيض التطور، وأن الحكمة قد تكون أبلغ من الضجيج، وأن الاتحاد حين يُدار بعقل الدولة يصبح مصدر قوة لا عبئًا.
ليست الإمارات تجربة مثالية، لكنها تجربة واقعية، واعية، تعرف كيف تراجع نفسها وتستشرف مستقبلها.
وفي زمن عربي تتزايد فيه الأسئلة حول معنى الدولة والهوية، تبقى الإمارات مثالًا حيًا على أن الاتحاد حين تحرسه القيادة الحكيمة، يمكن أن يصنع معجزة هادئة وطويلة الأمد.
إلى الإمارات وهي تدخل2026
وهكذا، ونحن نقرأ التجربة الإماراتية اليوم، لا نراها دولة تعيش على إنجازها، بل مشروعًا سياسيًا حيًا يراجع نفسه ويتقدّم بثقة.
ومع دخول عام 2026، تدخل الإمارات عامًا جديدًا لا بوصفه رقمًا في تقويم الزمن، بل امتدادًا طبيعيًا لمسار اختير منذ اللحظة الأولى: أن يكون الاتحاد خيارًا دائمًا، لا مرحلة مؤقتة.
عام جديد لدولة أثبتت أن الاستقرار ليس جمودًا، وأن الهدوء ليس غيابًا للفعل، وأن الحكمة—حين تتحول إلى مؤسسات وسياسات—قادرة على صناعة مستقبل طويل النفس.
ومن هنا، تأتي التهنئة بوصفها قراءة سياسية لا مجاملة بروتوكولية:
تهنئة لاتحاد صمد لأنه بُني على الشراكة،
ولقيادة فهمت أن الدولة تُدار بالعقل لا بالصوت العالي،
ولمجتمع آمن بأن المستقبل يُصنع بالعمل لا بالانفعال.
في 2026، تبدو الإمارات كما كانت دائمًا:
دولة لا تعلن الاكتمال، ولا تتعامل مع الإنجاز كنقطة نهاية، بل تواصل العمل وكأنها ما زالت في البدايات.
وهذا، في منطق الدول، هو الفرق بين من ينجح مرة… ومن ينجح طويلًا.
م. غسان جابر – قيادي فلسطيني.
مركز مسارات للإستراتيجيا و الإعلام موقع اخباري متنوع