من سدّ النهضة إلى سدّ تنزانيا وبوادر دولة جديدة جنوب اليمن

تم النشر بتاريخ 25 ديسمبر, 2025

بقلم / أزهار عبد الكريم

يبدو أن الجنوب اليمني يتجه نحو انفصال ناعم بدعم إماراتي، وإن كان مؤجَّلًا دوليًا، في حين تسعى السعودية إلى محاولة وقف هذا التقدم قبل أن يتحول إلى واقع غير قابل للتراجع.

ورغم عدم إعلان انفصال رسمي، فإن مؤشرات قيام كيان جنوبي جديد باتت واضحة؛ فقد تم رفع علم الجنوب بدلًا من علم الجمهورية اليمنية، كما تم تشكيل إدارات محلية من عناصر المجلس الانتقالي، مع محاولات لضبط الأمن والحدود بصورة مستقلة، إضافة إلى دعوات دولية مترددة للتعامل مع الوضع كأمرٍ واقع.

بالنسبة للرياض، فإن التحركات الجنوبية المدعومة من الإمارات تهدد وحدة اليمن وتفتح بابًا لصراعات داخلية جديدة قد تتجاوز اليمن لتصل إلى السعودية نفسها، خصوصًا في المهرة الملاصقة للحدود.

وتؤكد المؤشرات أن الرياض بدأت تحشيدًا عسكريًا، وهددت بقصف مواقع تابعة للمجلس الانتقالي إن لم ينسحب من حضرموت والمهرة، في تصعيد غير مسبوق داخل تحالف واحد.

في هذا التعقيد تلعب الولايات المتحدة دورًا بالغ الحساسية؛
فواشنطن هي اللاعب الصامت والحاكم من الخلف. فإدارتها تنسّق مع الإمارات عسكريًا في ملف البحر الأحمر ومكافحة الحوثيين، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على شراكة أمنية استراتيجية مع السعودية، وتسعى لمنع انفجار صراع مباشر بين الحليفين يُربك أولوياتها في الخليج.

وتشير تقارير أمريكية إلى أن واشنطن تضغط حاليًا لإعادة ضبط التوازن داخل التحالف اليمني، ولعدم الاعتراف بأي انفصال رسمي في الجنوب، ولضمان استمرار المفاوضات مع الحوثيين دون تصعيد ميداني جديد.

فهل تنجح واشنطن في حفظ التوازن داخل ساحةٍ تتسع فيها الشروخ أكثر من الجسور؟
وعلى الجانب الآخر…
في الوقت الذي تواصل فيه إثيوبيا سياسة فرض الأمر الواقع عبر استكمال مراحل تعبئة وتشغيل سدّ النهضة دون اتفاق قانوني ملزم، تعمل القاهرة في صمت وبعد نظر على توسيع دوائر نفوذها في إفريقيا — ليس فقط من خلال الدبلوماسية التقليدية، بل عبر أدوات التنمية والتكامل الإقليمي.

لقد عززت مصر حضورها داخل دول حوض النيل، فأنشأت شركات تعاون ثنائية تُبرهن على أن القاهرة شريك تنمية حقيقي لا منافسًا استراتيجيًا.

وفي مواجهة السد الإثيوبي، قامت مصر ببناء مستقبل مختلف في تنزانيا — مستقبل قائم على الشراكة لا الإقصاء — من خلال مشروع سدّ جوليوس نيريري الذي يُعد أحد أكبر المشاريع المائية في القارة الإفريقية، والذي تنفذه شركات مصرية بكفاءة وأمان عاليين.
وهو نموذج لدعم تنمية إفريقيا بالمشاركة لا بالهيمنة، نقيضًا لسلوك إثيوبيا التي بنت سدّ النهضة بقرارات أحادية دون توافق إقليمي.

تسعى إثيوبيا لاستخدام سدّ النهضة كورقة ضغط جيوسياسي على دولتي المصبّ، مصر والسودان، دون اعتبار لحقوقهما التاريخية في مياه النيل، ودون الوصول إلى اتفاق ملزم، مما يهدد الأمن المائي لشعوب المنطقة.

وتبرهن مصر — من خلال سدّ نيريري — أنها لا تعارض التنمية أو بناء السدود، لكنها تدعمها بشرط التنسيق واحترام حق كل دولة في البقاء والنمو.

ليصبح سدّ تنزانيا ليس مجرد مشروع تنموي، بل ورقة مصرية قوية في معركة إثبات النوايا واستعادة التوازن الإقليمي في حوض النيل، وكسر العزلة التي حاولت إثيوبيا فرضها على مصر.
وفي الوقت نفسه تبعث القاهرة برسالة مفادها أن سدّ تنزانيا ليس فقط مشروعًا هندسيًا ضخمًا، بل مشروع سياسي واستراتيجي ذكي يعكس كيف يمكن لمصر استخدام أدوات التنمية لتعزيز نفوذها، وتقديم نموذج مغاير للتنمية القائمة على التعاون لا الهيمنة داخل دول حوض النيل.

Left Menu Icon
الرئيسية