تم النشر بتاريخ 23 ديسمبر, 2025
تحليل: ازال الجاوي
يتساءل كثيرون عن طبيعة الأهداف الإماراتية في جنوب اليمن، وغالبًا ما يجري اختزالها في بُعدين رئيسيين: الأول يتعلق بالسيطرة على موانئ الجنوب وممراته البحرية الحيوية، والثاني يرتبط بالصراع العربي–الإسرائيلي، ولا سيما بعد انخراط صنعاء في إسناد غزة.
ورغم وجاهة هذين البعدين وصحتهما، فإن التوقف عندهما وحدهما يظل قاصرًا عن فهم جوهر الاستراتيجية الإماراتية الأوسع في اليمن والمنطقة.
ثمّة هدف أعمق يحكم السلوك الإماراتي، يتمثل في شعور بنيوي بالهشاشة الاستراتيجية في مواجهة دول محيطها الإقليمي. فهذه الدول، وإن لم تكن معادية بالضرورة، إلا أنها منافسة، وتمتلك من الإمكانيات البشرية والجغرافية والسياسية ما يكبح الطموحات الإماراتية، بل وقد يشكّل – في المدى المتوسط أو البعيد – خطرًا وجوديًا لا تستطيع الإمارات مواجهته أو تجاوزه بمفردها.
من هنا، تبدو حاجة الإمارات إلى حليف قوي داخل الرقعة الجغرافية ذاتها حاجةً وجودية؛ حليف قادر على تعديل موازين القوى الإقليمية لصالحها. وفي هذا السياق يندرج دعمها للمجلس الانتقالي الجنوبي، لا بوصفه أداة ظرفية، بل كمشروع طويل الأمد يهدف إلى السيطرة الكاملة على الجنوب، وإقصاء أي قوى منافسة، شمالية كانت أم جنوبية، قد تعيق تشكّل هذا الحليف أو تحدّ من فاعليته.
وفي السياق نفسه، قد لا تكون وحدة اليمن هي المستهدفة مباشرة من التحركات الأخيرة للمجلس الانتقالي، وهو أمر يظل قابلًا للنقاش. فإعلان الانفصال الصريح قد يفضي إلى نتائج عكسية، عبر توحيد فرقاء الداخل اليمني، واستفزاز المحيطين الإقليمي والدولي للتحرك ضده، بما يُحبط الاستراتيجية الإماراتية القائمة على خلق كيان قوي ووازن في الجنوب.
وعليه، تبدو سياسة المناورة وعدم الذهاب بعيدًا في خيار الانفصال المباشر هي الأرجح في هذه المرحلة، مقابل ترسيخ واقع الهيمنة الكاملة على جغرافية الجنوب. وبعبارة أدق، تقوم المساومة المطروحة اليوم على تأجيل الانفصال، في مقابل قبول دول الجوار – ولا سيما السعودية وسلطنة عُمان – بالأمر الواقع القائم.
وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أن ورقة السودان، على أهميتها، تبقى أقل وزنًا بكثير في الحسابات الإماراتية مقارنة بجنوب اليمن. وعليه، قد تتحول هذه الورقة إلى أحد أدوات المساومة السياسية، سواء بين الإمارات والسعودية من جهة، أو بينها وبين مصر من جهة أخرى، خصوصًا في سياق السعي لتحييد القاهرة عن أي صراع محتمل في اليمن، حيث يظل التنافس الإماراتي–السعودي العنوان الأبرز.
وخلاصة القول، إن ما جرى ويجري في الأيام الأخيرة في جنوب اليمن يتجاوز في خطورته مسألة تقسيم اليمن فحسب، ليصل إلى مستوى تهديد التوازنات الإقليمية ذاتها، بما في ذلك إضعاف السعودية، وربما فتح الباب – في مرحلة لاحقة – أمام سيناريوهات تفكيك أوسع تطال دولًا أخرى في المنطقة.
إنه مشهد يتطلب قراءة عميقة تتجاوز الشعارات، وتدرك أن جنوب اليمن لم يعد مجرد ساحة صراع محلي، بل عقدة استراتيجية في صراع إقليمي مفتوح على كل الاحتمالات.
مركز مسارات للإستراتيجيا و الإعلام موقع اخباري متنوع