تم النشر بتاريخ 21 ديسمبر, 2025
بقلم العقيد/ محسن ناجي مسعد ( أبو د.رمزي)
تكشف مجمل التطورات المتسارعة على الساحة الجنوبية أن مسار الأحداث لا يسير وفق تطلعات الشعب الجنوبي، ولا ينسجم مع حجم التضحيات التي قُدّمت على مدى سنوات طويلة. فرغم اكتمال عناصر الجاهزية الداخلية سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا، ما يزال إعلان قيام الدولة الجنوبية المستقلة يصطدم بعائق جوهري يتمثل في العامل الخارجي، الذي لم يبلغ بعد مستوى الانسجام مع الإرادة الجنوبية المتبلورة على الأرض والتي بلغت مستوى غير مسبوق من النضج السياسي.
لقد أصبح العامل الداخلي اليوم في أعلى درجات الاستعداد؛ إذ نجح الجنوبيون في توحيد صفوفهم نسبيًا، وراكموا منجزات سياسية وميدانية مهمة، تعززت بتضحيات جسيمة قدمتها القوات الجنوبية، وفرضت من خلالها واقعًا أمنيًا وعسكريًا صلبًا كان من الممكن أن يشكّل قاعدة طبيعية لإعلان الدولة. غير أن هذه الجاهزية الداخلية اصطدمت بإرادة خارجية ما تزال تمارس دور الفيتو السياسي، وتمنع الانتقال من مرحلة الإنجاز الميداني إلى الاستحقاق السياسي.
ومن هنا، تتجلى معضلة قيام الدولة الجنوبية في غياب التوازن بين العاملين الداخلي والخارجي. فقيام الدول، وإن كان يبدأ من الداخل، إلا أنه يحتاج في مراحله اللاحقة إلى بيئة إقليمية ودولية متفهمة أو على الأقل غير معطِّلة. غير أن الخطورة تكمن في تحويل العامل الخارجي إلى بديل عن العامل الداخلي، أو رهن القرار الوطني الجنوبي بإرادات خارجية، وهو ما يجعل أي مشروع دولة عرضة للتأجيل المفتوح.
لقد مارست دول التحالف العربي، بدعم من قوى إقليمية ودولية، ضغوطًا مباشرة وغير مباشرة على قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، لمنع أي خطوة أحادية باتجاه إعلان الدولة. وتشير الوقائع إلى أن أي إعلان خارج إطار الرضا الإقليمي والدولي سيُواجَه برفض سياسي، وربما بإجراءات عقابية، تشمل الحصار السياسي والاقتصادي، بما قد يفتح الباب أمام أزمات واضطرابات داخلية تهدف إلى كبح الإرادة الشعبية الجنوبية، ودفع قيادتها للتراجع عن استحقاقها الوطني دون أفق زمني واضح.
وفي هذا السياق، تُصر هذه الأطراف على إبقاء المجلس الانتقالي ملتزمًا بالاتفاقيات الموقعة مع ما يُسمّى بالشرعية، وتتعامل مع أي خروج عنها باعتباره تهديدًا للاستقرار أو إخلالًا بالرؤية المعتمدة لإدارة الأزمة اليمنية. كما تُمارَس ضغوط إضافية تحت عناوين مختلفة ومنها رفض “الهيمنة” التي فرضها الأنتقالي في المحافظات الشرقية، والترويج لقدرة تلك المحافظات على إدارة شؤونها بمعزل عن المشروع الوطني الجنوبي وبعيدا عن التواجد العسكري الجنوبي في تلك المحافظات التي تمثل قلب الجنوب النابض.
ورغم عدالة القضية الجنوبية وتجذرها شعبيًا، ما تزال الإرادة الداخلية عاجزة عن كسر هذا الفيتو الخارجي، الذي يتمسك بإبقاء القضية الجنوبية ضمن إطار “اليمن الواحد”، استنادًا إلى مرجعيات سياسية تجاوزها الواقع، وفي مقدمتها المبادرة الخليجية، ومخرجات الحوار الوطني، وقرارات الشرعية الدولية، وعلى رأسها القرار 2216. وهي مرجعيات أثبتت فشلها في تقديم حلول حقيقية، سواء للأزمة اليمنية عمومًا أو للقضية الجنوبية على وجه الخصوص.
وأمام هذا المشهد، وجد المجلس الانتقالي نفسه منخرطًا في مساومات سياسية تضمن له البقاء داخل المعادلة التي يرعاها التحالف، مقابل مكاسب جزئية لا ترقى إلى حجم التضحيات ولا إلى سقف تطلعات الشارع الجنوبي. كما لا تخفي دول التحالف اعتمادها الكبير على الدور العسكري للقوات الجنوبية في أي مواجهة محتملة مع مليشيات الحوثي، وتتعامل مع أي خطوة جنوبية مستقلة كذريعة محتملة لإشعال صراع جديد تحت شعار “الدفاع عن الوحدة”.
وقد أسهمت هذه الضغوط في توجيه المسار نحو ما يُسمّى بتطبيع الأوضاع في المحافظات الجنوبية والشرقية، وفق رؤية سياسية لا تمس جوهر القضية الجنوبية، ولا تلبي طموحات شعب ما يزال ينتظر ترجمة فعلية لتضحياته الممتدة لعقود على أرض الواقع.
وهنا يبرز التساؤل الجوهري: إذا كانت انتصارات أغسطس 2019 قد أفضت إلى اتفاق الرياض، الذي أعاد الاعتبار للشرعية، فما الذي ستُفضي إليه الانتصارات الأخيرة في الوادي والصحراء ومحافظة المهرة ؟
وهل ستُهدر هذه الفرص كما أُهدرت سابقاتها، أم أن لحظة الحسم قد اقتربت ؟
إن غياب التناغم بين الإرادة الداخلية والإرادة الخارجية يظل العائق الأكبر أمام تحقيق الحلم الجنوبي. فالإرادة العسكرية والأمنية، مهما بلغت قوتها، ستظل منقوصة الأثر ما لم تُستكمل بإرادة سياسية واضحة تُتوَّج بإعلان قيام الدولة الجنوبية بعناصرها الثلاثة: الأرض، والشعب، والسيادة.
كما أن القبول بصيغ بديلة، كالحكم الذاتي أو الفيدرالية أو الحكم المحلي واسع الصلاحيات، لا يمثل حلًا عادلًا، بل يُعد التفافًا صريحًا على جوهر القضية الجنوبية، وانتقاصًا من حق شعب لا يناضل من أجل تحسين شروط العيش داخل دولة فاشلة، بل من أجل استعادة دولته المستقلة كاملة السيادة.
وأي حديث عن اتفاقات جديدة، كـ«اتفاق الرياض 2»، لن يخرج في جوهره عن سابقه، وسيظل يخدم ديمومة دولة الوحدة، ويؤجل استحقاق قيام الدولة الجنوبية، مهما تغيّرت العناوين أو تبدّلت المسميات.
إن الشعب الجنوبي، الذي قدّم تضحيات جسامًا، يقف اليوم على أعتاب مرحلة تاريخية فارقة، مترقبًا قرارًا يعيد الاعتبار للجنوب، ويضعه في مصاف الدول ذات السيادة الكاملة. قرارًا لا يقبل مزيدًا من التسويف أو التأجيل، ولا يخضع لمنطق الصفقات أو الحلول المنقوصة، لأنه قرار يرتبط بمصير شعب وإرادة أمة، لا يمكن أن تتراجع عن حقها المشروع في استعادة دولتها المستقلة، تحت أي ظرف أو عنوان.
مركز مسارات للإستراتيجيا و الإعلام موقع اخباري متنوع