يوم العلم الكردي: احتفالات متجددة في أربيل وكركوك والقامشلي تعكس وحدة الهوية والكفاح

تم النشر بتاريخ 17 ديسمبر, 2025

بقلم لؤي الكمالي

في صباح بارد توشح بأمل جديد، توزعت الجماهير الكردية عبر ساحات المدن والقرى، حاملةً في قلوبها قرونًا من التاريخ، وفي عيونها حلمًا يرفرف على أطراف سارية. يوم العلم الكردي لم يكن مجرد طقس سنوي، بل كان حكاية متجددة ترويها الأجيال.

من قلعة التاريخ، تبدأ الحكاية عند سفح قلعة أربيل، التي شهدت حضارات متعاقبة، وقف رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني بوجوه تمثل فسيفساء الإقليم. كان الصمت المهيب يسبق رفع العلم لحظات، ثم انطلق النشيد، وصعدت الألوان الحمراء والخضراء والبيضاء والصفراء تتهادى مع النسيم. كل لون كان يحكي قصة: دماء الشهداء، سهول كردستان الخضراء، السلام، وشمس الحرية التي لا تغيب. داخل القلعة، تحولت الساحات إلى لوحات فنية حية، حيث رقص الأطفال بأزياء مطرزة بالتراث، وكأن الخيوط التي حاكتها أيادي الجدات تحمل خرائط من الذاكرة.

في كركي لكي (كركوك)، المدينة التي تتنفس تاريخًا معقدًا وتتنازع عليها الهويات، خرجت الجموع كموج البحر. لم يكن العلم يرفرف على السواري فقط، بل كان يرسم على الوجوه، يزين الشوارع، ويكتنف الأجواء. الأطفال في المدارس، بزيهم التقليدي، رفعوا أعلامًا صغيرة بأيدٍ ترتجف حماسةً. معلمٌ قال وهو يمسح دمعة: “هذه الأيدي الصغيرة ستحمل ذات يوم راية الكرامة كاملة”.

عبر الحدود، في مدينتي القامشلي وعامودا بريف الحسكة السورية، احتفل الناس تحت وطأة ظروف بالغة الصعوبة. هنا، ارتدى الرجال والنساء الزي الكردي كدرعٍ للهوية. الدبكات دارت في الساحات، والأغاني الوطنية صدحت من حناجر ترفض النسيان. شابٌ في عامودا قال: “علمنا ليس مجرد قماش، إنه الوعد الذي قطعناه على أنفسنا بأن نبقى”.

ما حدث في كل هذه المدن لم يكن منفصلًا. كان خيطًا واحدًا يربط أربيل بكركوك، والقائمة بالقامشلي. كان الجد في قلعة أربيل، والحفيد في مدرسة كركوك، والأم في ساحة عامودا، يشاركون في نفس اللحظة التاريخية. الاحتفال كان تجديدًا للعهد، وتذكيرًا بأن الهوية لا تموت، بل تتوارث كسرّ مقدس.

كلمة الختام في نهاية اليوم، عندما هدأت الزغاريد وانفضت الجموع، بقي العلم شاهدًا في السماء. مسرور بارزاني لخص المشهد بقوله: “هذا اليوم ليس نقطة وصول، بل محطة في مسار طويل من الحفاظ على وجودنا وحقوقنا”. العلم يرفرف، والحكاية تستمر، والأمل ينتقل من جيل إلى جيل، كشعلة لا تنطفئ في رياح التحديات.

Left Menu Icon
الرئيسية