في قضية عشال(الشعبي) للقدس العربي: لو كانت هناك دولة لتم القبض على الجناة ولما احتاجت القبيلة التواجد في عدن

تم النشر بتاريخ 14 يوليو, 2024

أحمد الأغبري

تمثل قضية اختطاف وإخفاء الجعدني تعبيرًا جليًا عن تداعيات تعدد الجماعات المسلحة في إدارة الشأن الأمني والمجتمعي في مناطق نفوذ الحكومة المعترف بها، وعدم وجود مركز سلطة واحد.

هل ستفجّر القبيلة الوضع في عدن بعد مضي أكثر من شهر على اختطاف الضابط العسكري المقدم علي عشال الجعدني، من دون أن تُعلن الأجهزة الأمنية مصيره على الرغم من انتشار فيديو يوضح مكان اختطافه من قبل مسلحين في مدينة التقنية بتاريخ 12 حزيران/يونيو الماضي؟ وكيف يمكن قراءة الوضع بعد صدور بيان من المجلس الانتقالي الجنوبي (انفصالي) يُدين الاختطاف والإخفاء فيما كانت الدولة ممثلة في الأجهزة الأمنية قد أعلنت توقيف قائد عسكري وإتهام آخرين بالوقوف وراء الجريمة؟ في هذه الحال من هو المتهم، وقبل ذلك ما هو مصير المختطف؟

في المقابل ارتفعت نبرة تحذيرات صادرة من منظمات المجتمع المدني من عودة الصراع المناطقي بمستوى غير مسبوق في حال لم يتم احتواء القضية، وكشف مصير المختطف، وإغلاق جميع السجون والمعتقلات السرية، وتوحيد قرار الوحدات العسكرية والأمنية وتوحيدها قبل كل ذلك تحت قيادة وزارتي الدفاع والداخلية، وقبل ذلك استعادة الدولة لمهامها.
هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي أكدت، الخميس، «رفضها التام لأعمال الخطف وجميع الأعمال الخارجة عن النظام والقانون» مشددة «على الأجهزة الأمنية تكريس جميع إمكانياتها وجهودها، للكشف عن مصير المواطن عشّال، وسرعة ضبط الجناة والمتورطين بهذا الفعل المُشين، وإحالتهم للنيابة والقضاء».
وكان مجلس المقاومة الشعبية في إقليم عدن قد شدد، في بيان، على «تجنب أي تأجيج قد يؤدي إلى صراع مناطقي لن يجر إلا إلى مزيد من الصراعات التي عانى منها اليمن كثيرًا» داعيًا «لحصر القضية في أشخاص مرتكبي جريمة الاختطاف، وكل مَن ساهم في جريمة الاختطاف والإخفاء للمقدم علي عشال الجعدني».
وطالب، جميع المنظمات والهيئات الحقوقية والمدنية إلى الوقوف الفاعل والمؤثر إلى جانب أسرة المختطف، وكذا جميع المختطفين قسراً منذ ما بعد عام 2015 إلى اليوم، والدعوة لمحاسبة كل مَن قام أو شارك في الاختطاف والإخفاء القسري لكثير من أبناء الجنوب ومحافظات مناطق نفوذ الحكومة، ومن ساهم في تأسيس المعتقلات والسجون السرية والخارجة عن النظام والقانون، مشيرًا إلى «أهمية الكشف عن جميع المعتقلات والسجون السرية وإخراج جميع المخفيين قسرًا والمختطفين، وتقديم كل المتورطين في إنشاء هذه المعتقلات للمحاكم لينالوا جزائهم العادل».
قبيلة الجعادنة، وعدد من قبائل محافظة أبين (جنوب) صعّدت من أنشطتها بهدف إعلان مصير ابنها عشال، خصوصًا بعد ثبوت اختطافه في عدن، واستمرار تجاهل بيانات القبيلة في أبين، وعدم الإفصاح عن مصير ابنها. ودعت قبيلة الجعادنة، الأربعاء، قبائل أبين وجميع القبائل المناصرة لها إلى الزحف لإقامة تظاهرة مليونية في عدن تضامنًا مع نجلها المختطف.
وطالبت في بيان لها، كل قبائل أبين والمحافظات الأخرى، وكل المتضامنين معها إلى التوافد إلى مدينة عدن لإقامة مليونية سلمية للمطالبة بمعرفة مصير ولدها علي عشال. وقالت إن الموعد لإقامة المليونية ستحدده اللجنة التحضيرية للتظاهرة في وقت لاحق، وإن الخيارات كلها ستكون مفتوحة أمامها في حالة التلاعب بقضية المختطف.
وتمثل قضية اختطاف وإخفاء الجعدني تعبيرًا جليًا عن تداعيات تعدد الجماعات المسلحة في إدارة الشأن الأمني والمجتمعي في مناطق نفوذ الحكومة المعترف بها، وعدم وجود مركز سلطة واحد، لاتخاذ القرار المتعلق بالضبط الأمني والسجن العقابي، ونتيجة لذلك تتعدد السجون والمعتقلات العلنية والسرية الحكومية وغير الحكومية؛ وقبل ذلك يأتي الفساد باعتباره المتهم الأبرز في تردي الأوضاع المعيشية والأمنية في مناطق نفوذ الحكومة المعترف بها، وبالتالي تصاعد دور الجماعات المسلحة على حساب تراجع دور الدولة.
يقول رئيس مركز مسارات للدراسات الاستراتيجية في عدن، باسم الشعبي، لـ «القدس العربي» عن بيان اللجنة الأمنية العليا في عدن: «البيان كان غير دقيق وغير إيجابي؛ لأن مذكرات اعتقال المتهمين بالجريمة صدرت وقد فروا من البلاد، يعني صدرت بعد شهر من ارتكاب الجريمة. ثانيًا: ثلاثة أو اثنين تم اعتقالهم من المتهمين، وأعلن أمن أبين وأمن عدن أنه تم اعتقالهم، وهم على صلة مباشرة بالجريمة، بينما البيان قال إنهم ما زالوا طلقاء وطالب باعتقالهم، معنى ذلك أنهم تستروا على المجرمين الحقيقيين، الذين لهم صلة مباشرة بالجريمة. ثالثًا: لم يوص بيان اللجنة الأمنية بإجراء تحقيق عادل وشفاف معهم. ولم يشر البيان إلى ضرورة الكشف عن مصير علي عشال، هل هو حي، هل هو ميت؟ والكشف عن مصيره هو لصالح أمن عدن، ولصالح الأجهزة الأمنية، ولصالح المجلس الانتقالي، ولصالح اللجنة الأمنية العليا، ولصالح الدولة في سياق تهدئة الرأي العام. لكن التستر الآن يسهم في تصعيد القضية، وخاصة أهله وأبناء منطقته؛ وهذا ما يزيد من تأجيج الموضوع، واستغلاله من قبل بعض القوى السياسية».
واستطرد فيما يتعلق بالمليونية التي أعلن أبناء أبين التحضير لها: نحن لا نستطيع أن نقول لهم لا تنظموا مليونية، رغم أن الظرف حساس ومعقد. أنا أتمنى أن يكون للمليونية أهداف واضحة ورسائل مهمة؛ لأنه فعلًا قد طفح الكيل لدى الناس في عدن، بعدما أصبحت مدينتهم طاردة للحياة، فللأسف الشديد الخدمات متردية جدًا، ولا يوجد أمن، وغلاء أسعار مستمر بشكل جنوني كل يوم، وسعر الدولار وصل إلى 1900 ريال. الناس في معاناة كبيرة جدًا، وهم مع التغيير. الموضوع ليس فقط قتل عشال، مَن يقف وراء قتل عشال هو الفساد المتراكم. لو كانت هناك دولة وأجهزة أمنية قوية ما تجرأ هؤلاء على استهداف عشال أو غيره. اليوم هناك مئات من الشباب في السجون. وإلى الآن لم تصدر اللجنة الأمنية العليا أو النائب العام قرارًا بفتح السجون وإطلاق سراح هؤلاء الأبرياء المعتقلين.
وقال رئيس مركز مسارات: تكمن المشكلة في عدم وجود دولة، ولو كانت الدولة موجودة كان تم القبض على الجناة والتحقيق معهم وإحالتهم للقضاء. من غير المعقول أنه لم يصدر حتى الآن بيان من الحكومة يقول نحن مسؤولين عن الجريمة، ولا بيان من المجلس الانتقالي يقول نحن مسؤولين عن الجريمة وسنعاقب الجناة احترامًا للرأي العام، لكن لا أحد يحترم الرأي العام. ولهذا يلجأ الناس لشيخ القبيلة لأنه لديه عُرف يحتكم إليه وأخلاق يحكم من خلالها، بينما بقية السلطات تجردت من كل شيء للأسف!
واعتبر باسم، تصاعد دور القبيلة نتيجة طبيعية لتراجع دور الدولة وتخليها عن مهامها الأساسية، وهي إنصاف الناس. وقال: «لا توجد دولة حقيقية في اليمن حاليًا حتى نتحدث عن تراجع دور الدولة، بينما في الواقع هناك قبيلة لها حضور فاعل، وهذا الحضور ملأ الفراغ الذي تركته الدولة، والقبيلة هي ملجأ أخير ومؤسف، بعدما قطعت الدولة في اليمن هذا العمر ووصلت بالناس إلى مرحلة عدمية. عندما تتخلى الدولة عن دورها ستجد مَن يملأ الفراغ، إما القبيلة أو منظمات المجتمع المدني أو الكيانات السياسية».

نقلا عن القدس العربي

Left Menu Icon
الرئيسية