السبت , 16 نوفمبر 2019

روسيا: سياسات حكيمة تتصدّر القمة

 

تبدو روسيا بوتين أكثر قوة من أي وقت مضى، وهذه القوة تتعاظم بصورة سريعة، في مختلف المجالات، لكنها تتسم بالدقّة والتنظيم والترتيب والإيمان بأهداف وغايات عظيمة.

ويُلاحظ، بأن هناك تمحور قائم للسياسة الروسية في مواقع الأزمات الدولية وبخاصة العربية، والتي دخلت روسيا إليها بقوة وزخم كبيرين قبل سنوات قليلة، ونجحت في تغيير خريطة الارهاب الدولي فيها على الارض، وحصرته في جيوب باتت على وشك الانتهاء والتصفية، وقد بذلت روسيا في سبيل ذلك الكثير من الأموال والجهود والشهداء، لكنها انطلقت في حركتها هذه لتجفيف منابع الارهاب وقوى التدخل الخارجي، من ضرورة حل أزمات المنطقة العربية بحزم، ومنح الإنسان أملاً في مستقبل آمن، وبيّنت لدول المنطقة أن التحالف مع روسيا يكون مبدئياً ويساعد في تطبيق القانون الدولي والاتفاقات التي تتم بالتماشي معه وفي إطار روحه، ودون التدخل في شؤونها الداخلية.

وبالنسبة لليمن، سُعدناً نحن اليمنيين، بالموقف الروسي أواخر العام المنصرم، والذي كشف فيه نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي فيرشينين، عن أن موسكو ترعى وساطة بين جميع الفرقاء في اليمن، لتقريب وجهات النظر، وتشجيعهم على الحوار.

وأوضح المتحدث الروسي أن بلاده لعبت و “ما تزال تلعب دور الوسيط، لأن لدينا حواراً قائماً، وتفاهمات جيدة مع جميع القوى السياسية”.

بعد تفكّك الاتحاد السوفيتي بداية التسعينيات من القرن المنصرم، خطط اعداؤه الى إلغاء عودته مرة اخرى الى الوجود، وبذلوا في سبيل ذلك الاموال، وسخّروا القدرات، وحبكوا المؤامرات، ومن هذه المؤامرات بذر بذور الصراع والخلاف، وثم الحرب بين الجمهوريات المنفصلة، ليضمنوا عدم عودة القدرات الروسية الى سابق عهدها، لذلك عملوا على إشغال أطرافه بالصراعات البينية التي تستنفذ طاقاتهم، وتمنعهم من العودة والبروز والتطلع الى العالم الخارجي.

لكن لم يدر بخلدهم ان روسيا التي كانت قلب الاتحاد السوفييتي السابق وعقله، غدت على موعد مع ميلاد زعيم فذ ووطني هو الرئيس بوتين، الذي صعد كالصاروخ الى القمة، وبدأ بصبر وحنكة يُهندس عودة روسيا الى مسرح الاحداث كقوة عظمى، ولنا ان نرى ما الذي أحدثه هذا الرجل الصلب خلال العشر السنوات الاخيرة، وأين كانت روسيا قبل ذلك، وأين اصبحت اليوم..

لا أُخفي اعجابي بسياسة الرئيس بوتين، وقد ابدوا من أشد المتحمّسين له، لا لشي ولكن عندما رأيته أول مرة يَصعد، أحسست بأن الله يُخبرني بأن روسيا على موعد مع زعيم وطني جديد ستستعيد معه مكانتها وحضورها القوي على المسرح الدولي.

ومع مرور السنوات كان هذا الاحساس، أو لنقل الوحي الذي ألقاه الله في نفسي، يتحقّق، فقد أخذت روسيا يوماً بعد يوم مكانتها وموقعها كثاني أكبر قوة عظمى في العالم ومرشحّة لتصبح الأولى قريباً.

لروسيا علاقات وصداقات متينة مع اليمن، سواء قبل الوحدة أو بعدها، وساهم الروس بشكل فاعل في التنمية الاقتصادية في اليمن من خلال الدعم والمشروعات التي بنوها، وبصماتهم ماتزال متواجدة، ناهيك للكادر الكبير من الشباب الذين ذهبوا للتعليم في روسيا أو الاتحاد السوفييتي سابقاً، وعادوا من هناك يحملون الشهادات العليا والخبرات ليخدموا بلدهم، وما تزال علاقات التبادل الثقافي قائمة الى اليوم.

وهناك الكثير من الاسهامات الروسية في اليمن، ما يؤكد عمق العلاقات بين اليمن وروسيا، وأُكد هنا ايضاً على الموقف الروسي الثابت من الازمة في اليمن، ورفضها للحرب بين الاخوة، والتي أشعلتها عدة قوى بهدف تدمير اليمن وإعادة تقاسمه، ولكن هذا المخطّط سيفشل، وسيَخرج اليمن موحّداً ومتماسكاً وقوياً من هذه الحرب التي شارفت على النهاية بإذن الله.

ولعلّي اتذكّر هنا موقفين من شتاء صنعاء القارص، كنت فيهما في السفارة الروسية في صنعاء، الأول بداية العام 2008، في ليلة الاحتفال بعيد رأس السنة الميلادية، وكنت رافقت زملاء من وكالة الانباء اليمنية “سبأ”، ويومها التقيت بعددٍ من المسؤولين الروس، وتبادلنا أطراف الحديث في قضايا يمنية وإقليمية ودولية عديدة.

واللقاء الثاني كان في منتصف نفس العالم 2008، إذا لم يخني التقدير، وقد رشّحت من قِبل صحيفة السياسية التابعة لوكالة الانباء اليمنية “سبأ” لإجراء حوار صحفي مع المستشرق والمفكر الروسي فيتالي نؤمكين، وكان الحوار في مقر السفارة في صنعاء، وغدا من أفضل الحوارات السياسية التي أجريتها في حياتي المهنية والصحفية، وفوجئت بشخصية نؤمكين الفذّة، الذي يَعلم الكثير عن اليمن مالم يعلمه حتى اليمنيين أنفسهم، فضلاً عن اندهاشه باليمن كطبيعة وموقع وتاريخ وحضارة، وهو مؤلّف العديد من الكتب عن اليمن، وكنت يومها قد فرغت للتو من قراءة كتابة عن ثورة 14 أكتوبر.

ها هي روسيا تعود بقوة، وتصعد الى القمة بثقة، والايام القادمة حُبلى بالمتغيرات، فقيادتها تستشرف المستقبل في المنطقة والعالم بصورة صحيحة ودقيقة، وتبني تحركاتها ومواقفها انطلاقاً من أفعال مدروسة، وليست من ردود الأفعال ..

ستدركون ما أقوله وما الذي أقصده من هذا السرد على نحو قريب بإذن الله‘ حينما تبدو مواقف روسيا وقد انتصرت في السياسة، وفي خياراتها المنحازة الى جانب قوى الخير والحق والسلام في العالم، كما كانت دوماً.

وانتهز الفرصة هنا لادعو الزعيم والرئيس الروسي فلاديمير بوتين للمساهمة العاجلة بإيجاد حل نهائي ودائم للازمة السورية، بغية إيقاف معاناة الشعب العربي السوري الشقيق، وتجنيب المنطة مزيداً من المآسي والويلات أو حتى لا سمح الله ولا قدّر، إمتداد الأزمة الى دول أخرى، بالإضافة للدخول الى ملف الازمة اليمنية لإنفاذ الحلول التي خرجت بها الحوارات السياسية بين الأطراف المتصارعة والمساهمة في إعادة الأمن والسلام الى اليمن، ونحن بالتأكيد مع بوتين ووزارة خارجيته التي أعلن فيرشينين موقفها بوضع روسيا مصالح الانسان اليمني وسلامته واستقراره في مكانة الصدارة، عندما كشف هذا المسؤول عن أنه “يجب علينا حل هذه الأزمة من خلال الحوار.. إن الحرب لا تؤدي إلا إلى معاناة السكان”.


ـ #باسم_فضل_الشعبي: عضو في رابطة القلميين حُلفاء #روسيا، ورئيس مركز مسارات للإستراتيجيا والإعلام/ اليمن.

التعليقات مغلقة